Warning: Parameter 3 to plgContentFootnotes::onBeforeDisplayContent() expected to be a reference, value given in /home/menin/public_html/libraries/joomla/event/event.php on line 67
رجال في الشمس: الفنّانون

طال بن تسفي

عبد عابدي، وُلد في حيفا، 1942
يعيش ويعمل في حيفا
الفنّ لدى عبد عابدي يرتكز في الأساس إلى حيّز أوتونومي من لغة الأدب والصحافة العربية. في العام 1964 سافر عابدي لدراسة الفنّ في دريزدن ورسم هناك رسومات تخطيطية كثيرة نُشرت في الصحافة العربية، وظهرت فيها شخصيّات للاجئين في فضاء تنقصه الهوية الجغرافية المحدّدة. في الرسم التخطيطي "بدون عنوان"، 1968، تتعرّج قافلة من اللاجئين مثل ثعبان تحت الشمس اللاهبة، مثل تلك القوافل الطويلة لمهجّرين قطعوا الطريق نحو المجهول. في رسم تخطيطيّ آخر من السنة نفسها، تظهر شخصية امرأة فلسطينية ومعها طفلة تحت شجيرة صبّار، وتشهد هذه الشخصية على أنّ اللجوء الذي يصفه عابدي لا يستند، في الأساس، إلى تجربة حياة مخيّمات اللاجئين في العالم العربي، وإنّما يصف، أيضًا، اللاجئين الداخليين داخل حدود عام 1948.

بعد عودته من الدراسة، عمل عابدي بين السنوات 1972 و 1982 محرّرًا غرافيكيًا لصحيفة الحزب الشيوعي باللغة العربية، الاتحاد، وللمجلة الأدبية الجديد، وترك تأثيرًا على الثقافة البصرية لدى الأقلية الفلسطينية في إسرائيل. بين السنوات 1980 و 1982 نشر سلمان ناطور في الجديد مجموعة من القصص القصيرة بعنوان "وما نسينا"، تناولت أحداث نكبة العام 1948. وقد أدّى دور الراوي في هذه القصص شيخ مسنّ مشقّق الوجه. وقد افتتح جميع القصص رسم تخطيطيّ بريشة عابدي، وتمّ دمج عنوان القصة في الرسم. فمثلاً، في الرسم التخطيطي الذي يفتتح قصة "من البئر حتى جامع الرملة"  تبدو شخصية الرجل المسنّ وقد اعتلى تعبير حزين وجهه المليء بالتجاعيد فيما يقوم بمدّ يديه بمنظور على شكل صليب؛ إلى جانبه تظهر نساء متفجّعات وأمام أرجلهنّ جثمان لميت ملفوف بالكفن. تحت الرسم التخطيطيّ، يصف "الشيخ مشقّق الوجه" ما وقع في سوق الأربعاء في مدينة الرملة في العام 1948، مشهد تفجير قنبلة تمّ وضعها بين بسطات الخضار وأدّت إلى قتل العديد من السكان. التوتّر القائم بين النصّ الذي يتناول العنف والفقدان وبين المنظور الأفقيّ المجرّد المشار إليه فقط بواسطة خطّ خارجيّ لمئذنة المسجد، يشحن الرسم التخطيطيّ بمنظومة رمزية تتجاوز الزمن. فالجثمان المُمدّد، والذي تمّت تغطية وجهه، هو ضحية عينية وكونية في الوقت نفسه.

في رسومات تخطيطية أخرى، تعود الجدليّة ما بين النصّ المُفصّل وبين طابع الرسم التخطيطيّ الرمزي. المثال على ذلك هو أنّ الرسم التخطيطيّ "مصيدة في خبيزة" الذي يصف مجموعة نساء يتأمّلن من جهة جانبية في أسوأ ما يمكن أن يقع. مجموعة النساء ترافق، أيضًا، قصّة "مثل هالصبر في عيلبون". تظهر في الرسم التخطيطيّ شخصية جريحة ممدّدة على الأرض وشخصية امرأة تلمس وجهها بيد متردّدة. من الخلف، يُعرض عدد من الشخصيات لنساء يغطّين وجوههنّ بأسى. هذه الشخصيات مموضعة في حيّز خالٍ من الناس، بعيدًا عن أيّ موقع مأهول وعن أيّ مصدر للمساعدة. الشخصية الممدّدة على الأرض مذكورة في القصّة وهي لشخصية مركزية في قصّة المذبحة في عيلبون؛ شخصيّة سمعان شوفاني، خادم الكنيسة المارونية الذي ظلّ جثمانه ملقى إلى جانب الكنيسة.    

التوتّر القائم بين النصّ المُفصّل وبين الرسم التخطيطيّ الرمزيّ ملموس، أيضًا، في رسم تخطيطيّ تحضيريّ لمسرحيّة "رجال في الشمس". في العام 1979، صمّم عابدي ديكور مسرحية "رجال في الشمس" التي عُرضَت باللغة العربية في مسرح الميدان في الناصرة والتي أخرجها رياض مصاروة. في الرسم التخطيطي التحضيري، يظهر مربّع مقسوم إلى قسمين مختلفين: في الجهة الأولى هناك ثلاث شخصيات تعتمر الكوفية، وأجسادها مرسومة بخطوط خارجية فقط؛ الشخصيات المزدحمة ترفع أيديها إلى الأعلى ويبدو أنّها موشكة على السقوط نحو الجهة الأخرى من الرسمة. في الجهة الأخرى، تتمدّد ثلاث شخصيات، كأنّها جثث، على الأرض، وجه إحداها يتّجه نحو الأعلى، بينما يتّجه وجها الأخريين نحو الأرض. في حين أنّ الشخصيات الواقفة تقوم بالصراخ وتحدّدها الكوفيات على أنّها شخصيات عربية، حيث أنّ الشخصيات الممدّدة لا تعتمر الكوفية ويُشار إليها، بالتالي، إلى أنّها تمثّل معاناة كونية في حيّز مجرّد تمامًا.

في الرسومات التخطيطية للاجئين، في الرسومات التخطيطية لمجموعة "وما نسينا"، وفي الرسومات التخطيطية التي رافقت مسرحية "رجال في الشمس"، تمّت موضعة الشخصيات في حيّز جغرافيّ مجرّد، تم رسمه، أحيانًا، بشكل غرافيكيّ، بعدد من الخطوط فقط. الشخصيات التي تمّت موضعتها على الورق الأبيض تستمدّ قوّتها المحلية، العينية، من الحيّز النصيّ، الأدبيّ. هذا الحيّز النصيّ يشمل كتابة أدبية غنية لكتّاب وشعراء، مثل أميل حبيبي، أنطون شمّاس، محمد علي طه، سلمان ناطور، سميح القاسم وغيرهم، ما يضفي على الرسومات التخطيطية السياقات السياسيّة العينية لفترتها الزمنيّة.

 
أسامة سعيد، وُلد في نحف، 1957
يعيش ويعمل في نحف وبرلين

أعمال أسامة سعيد المعروضة في هذا المعرض، هي أعمال قام بإنتاجها في برلين بعد إنهائه دراسته. إنّ العمل الذي يحمل اسم "بدون عنوان"، 1990، يصف ما يشبه حرشًا جميع الجذوع فيه مقطوعة وسوداء وليس لها قمم. ويمكننا أن نفهم، من الوتيرة الإيقاعية للجذوع ومن طابعها، أنّ المقصود بالعمل هو كرم زيتون. وهذا يدلّ بدوره على حضور الإنسان في الطبيعة، وعلى دورة زراعية تعطي ثمارًا، وتعكس نمط الحياة القرويّ المؤلّف من غرْس وقطْف، ريّ وتقليم. يبدو أنّ سعيد يقوم بأنسنة الطبيعة، إذ أنّ الجذوع تبدو إنسانية وكأنّها تتقدّم في مجموعة واحدة نحو خطّ الأفق.

إنّ صورة الجذع المقطوع، التعبيريّة، تتكرّر في أعمال سعيد، منذ سنوات الثمانينيات وحتى يومنا هذا. ولا تقتصر دلالة هذه الصورة للمنظر الطبيعيّ الفلسطينيّ، على فقدان الأرض الفلسطينية في العام 1948 أو على مصادرة الأراضي في إطار سياسة "تهويد الجليل" في سنوات السبعينيات فحسب، بل إنّها تدلّ، أيضًا، على واقع سياسيّ مستمرّ ومتعاقب من الصراع على الأراضي. وتخلق كلّ تلك الأمور معًا علاقة بين صدمات الماضي وبين الواقع الراهن للأقليّة الفلسطينية في إسرائيل. إنها رسمة لمَا بعد الصدمة، تعود، مرّة بعد أخرى، إلى موقع الجريمة، إلى الجذوع المقطوعة، إلى المنظر الطبيعيّ الخاصّ بالقرية الفلسطينية، وليس لغرض تحليل سرّ العنف الذي تبدو علاماته على وجه الأرض، فقط.

إنّ الوعي الخاص بما بعد الصدمة يرافق، منذ سنوات التسعينيات وحتى يومنا هذا، سلسلة كاملة من الأعمال. في هذه الأعمال، يعود سعيد، مرّة تلو الأخرى، إلى صورة "هومو ساكير" (Homo Sacer) لدى أغمبن، إلى شخصية الضحية القائمة ما بعد اللغة وخارج حدود المجتمع الإنساني. في العمل المسمّى "بدون عنوان"، 1992، يتّكئ الجسد كلّه على الذراع، وهي بمثابة يد عملاقة تخلق مثلثًا وقاعدةً للدعم الجسديّ والنفسيّ. الفم المفتوح، الصارخ، يخلق علاقة ملتبَسَة بين انعدام الحيلة وبين التحدّي. هذا العمل يتناصّ مع المثل القائل "ملكش غير ذراعك"، فليس لديك سوى ذراعك أو أنّ ذراعك هي المتّكأ الوحيد لديك. لكنّ جذر كلمة ذراع في اللغة العربية (ذرع) هو، بما يشبه اللغة العبرية، جذر الكلمة "זרע" أيضًا، وكذلك جذر كلمتيّ ذراع (وحدة قياس) والتذرّع (بالصبر). أي أنّ الذراع هي المقياس الذي تُفحص بواسطته قوّة التحمّل الإنسانية في حالات الألم والمعاناة. في الرسمة، تعتبر الشخصية التي تقدّم نفسها على أنّها ضحية شديدة القوّة بمثابة استعارة مماثلة لرمز الصبر، أي: استعارة للتحمّل والصمود على الأرض.

في العمل المُسمّى "بدون عنوان"، 1993، تقف شخصية الـ "هومو ساكير" بعيدًا عن القرية، على خلفيّة فضاء ملوّن، أحمر فاقع. تبدو الشخصية هنا كالجسر. هذه الصورة للشخصية المشدودة كجسر فوق الأرض، متأثّرة بطابع وصف الإلهة نوت في الميثولوجيا المصرية. فقد آمن المصريون أن توت، إلهة السماء، تضع من خلال جسدها حاجزًا أمام قوى الفوضى التي تهدّد باجتياح العالم المنظّم والعقلانيّ، ولذلك فقد وصفوها بأنّها امرأة تحمل قوسًا ونبالاً، وهي تحمي العالم القائم تحت بطنها. إنّ الشخصيّة التي يخلقها سعيد تمدّ جسرًا استعاريًّا بين قوى الفوضى وبين عالم منظّم وذي منطق داخليّ، من خلال التشديد على الثمن – الألم الجسديّ والنفسيّ – الذي يجبي من الشخصية استخدام جميع عضلاتها بجهد متواصل لغرض الإمساك بكامل وزن الجسد المشدود.

أحاسيس الجسد بالضائقة، ملموسة في سلسلة رسومات تمّ إنتاجها عام 1988، بعد حوالي سنة على اندلاع الانتفاضة الأولى. هذه الرسومات التخطيطية بالأكريليك على ورق، تصف انتفاضة الحجارة بثلاثة ألوان – بنيّ-أصفر، أحمر وأسود؛ هذه التشكيلة اللونية لجِرار يونانية ترمز إلى قصّة ميثولوجية حول القوّة والصراع. في إحدى الرسومات التخطيطيّة، تمتزج رجلا الشخصية الهاربة مع الأرض، في تناقض حادّ مع حركة اليد التي تشير إلى الفرار والهرب من شخصيات الجنود التي يتمّ تمثيلها بواسطة تخطيط ترسيميّ لخوذات وبنادق. في هذه الأعمال، التي تمّ إنتاجها في برلين، في الثمانينيات والتسعينيات، يتعاطى سعيد مع المعاناة الإنسانية المتواصلة ويضع في مركزها الإنسان كضحيّة لقوى فوضى أكبر منه بما لا يمكن تقديره.
 

أسد عزّي، وُلد في شفاعمرو، 1955
يعيش ويعمل في تل أبيب–يافا
سلسلة رسومات أسد عزّي من سنوات الثمانينيات تقوم على منظر طبيعيّ محلّي، على شاطئ البحر في تل أبيب-يافا، وتستخدمه كما لو أنّه مقترَحٌ لقصّة ميثولوجية تخلق توتّرًا ما بين الرّشد والجنون، بين الهدوء الوهميّ والعنف المندلع.

سلسلة الصيّادين تعود إلى السنوات 1981-1985، التي كان أسد يسكن حينها في يافا. صورة الصيّادين هي صورة شائعة في الفنّ الفلسطينيّ منذ بداياته. فالمدنُ العربية المركزية؛ عكا، حيفا ويافا كانت مدن صيد، وهذه الصورة، أشبه بصورة الصبر، تعبّر عن تسامح وصمود، دلالة على استمرار الحياة الاعتيادية في مدن الشاطئ ما بعد النكبة. لكنّ استعارة الصيّاد لا تعبّر عن الاستمرارية فحسب، بل إنّها، أيضًا، شهادة وتذكير بآلاف قوارب الصيّادين، التي حملت على متنها آلاف الفلسطينيين المُعدَمين من مدن الميناء هذه إلى مخيّمات اللاجئين في صيدا وبيروت.

إنّ العمل "صياد بنفسجي"، 1985، يعرض صيادًا وحيدًا مُحاطًا بأمواجٍ بحرية ذات لون رماديّ وبنفسجيّ غامقين، والأرض تنحسر من تحت أقدامه وهو يبدو كأنّه يقف على الماء. في الرسمة "صيّاد في منظر جانبيّ"، 1985، يُعرض صياد وحيد، عارٍ وهشّ على رصيف الميناء. اللون الزيتي الذي يطلي الورقة بمُزيل الطلاء في عدّة طبقات، يخلق تعبيريةً وحركة. البحر يُطلى، في هذه الرسمة، بلون أحمر قانٍ، يبدو أحيانًا كنهر من دماء. الصياد يُمسك بكلتا يديه بصنّارة تبدو كقضيب وكأنّه يحاول أن يصل إلى توازن مقابل المياه الهائجة. الشعور بالهشاشة يتعزّز في الرسمة "صياد"، 1985، حيث يقف الصيّاد على حسكة. يبدو الصيّاد أبيض الشّعر مُسنًا، وهو يقف عاريًا حيث يبدو عضوه التناسلي بارزًا ومُتّجهًا نحو الأسفل، نحو القارب. تظهر الصنّارة في هذا العمل كقضيب قصير جدًا يمسك الصيّاد به بكلتا يديه، قريبًا جدًا من طرفه، كي يمنع سقوطه في الماء.

إنّ البحر، في رسومات الصيّادين لدى عزّي، ليس حيزًا محميًا، بل إنّه حيز تعبيريّ يهدّد بابتلاع الشخصية الإنسانية الوحيدة، العارية والهشّة. ينشأ في الأعمال توتّر بين صورة الصيّاد كفعل يُعبّر عن الهدوء، كمصدر رزق يشير إلى هوية عربية وحنين إلى الأيام الماضية، وبين شعور بما يقترب من السقوط في الماء والعجز الذي يعقبه.

التوتّر بين الهدوء المُتخيّل على شاطئ البحر وبين مشاهد العنف المندلع، يتكرّر، أيضًا، في سلسلة الأعمال "أمّ وطفل"، 1987، التي تمّ رسمها على خلفيّة الانتفاضة الأولى، وتقوم على منظور متكرّر في عدّة رسومات: من اليمين، تبدو أمّ وطفل على شاطئ البحر، وجه الطفل ممحيّ ومشار إليه بخطوط خارجيّة فقط. من اليسار، يظهر لاعبا كرة قدم، رجلاهما مرفوعتان بقوّة، في حين أنّهما يتقدّمان إلى الأمام باتجاه مركز الرسمة. في عدد من الرسومات، يتغيّر مركز المنظور الثنائيّ هذا، حين يُضاف إليها عنصر ثالث – شخصية المجنون. في الرسمة "أم وطفل (2)"، يظهر المجنون بشخصية مطأطئة الرأس لرجل عارٍ يبرز عضوه التناسليّ وعلى رأسه عصفور. في هذه الرسمة، يمسك الولد، الذي يظهر بوجه ممحيّ، بصليب يربطه هو وأمّه بالأيقونة المسيحيّة ليسوع ومريم. في الرسمة أم وطفل (3)، تظهر الشخصية نفسها للمجنون العاري والمطأطئ وهي تزيح نظرها عن رجليّ أحد لاعبي كرة القدم اللتين تصيبان يده.

تبدو الأم في الرسومات هشّة وتقوم بحماية الطفل الراقد إلى جانبها. إنّها محدودة من حيث قدرتها على الحراك. أمّا شخصية المجنون التي تقع في الوسط، بين الطرفين، فتزيد من شدّة انعدام المنطق في هذا المشهد، مقابل حركة الجسد التعبيرية للاعبي كرة القدم، والتي تخلق كتلة تتحرّك بحركة عديمة المعنى والقيمة. يبدو في أعمال عزّي أنّ الذكورية – سواء أكانت ذكورية الصيّاد والمجنون العاريين أو ذكورية لاعبي كرة القدم – لا تترجَم إلى سيطرة وقوّة يمكنهما تغيير مصير الشخصيات. فالقصّة الميثولوجية لا تقترح منطقًا حقيقيًا ورمزيًا للعجز والهشاشة المعروضين في الأعمال، والشخصيات مثبّتة، في نهاية المطاف، في منظور من العنف الذي تجمّد.



 
إبراهيم نوباني، وُلد في عكا، 1961
يعيش ويعمل في المكر

يخلق إبراهيم نوباني في عمله الفنّيّ إطار رسم يحدّد التوتّر القائم ما بين أشكال هندسيّة ملوّنة مرسومة بتقتير، وبين فضاء الصورة المرسومة بشكل أكثر تعبيريةً وأكثر أحاديّةً من حيث اللون. هذا التوتّر يُواجه ما بين لغتيّ رسم مختلفتين، ويعزّز الشعور بالمؤقّت فيما يخصّ البنية، والذي يلوح من الرسومات. مثال على ذلك هو عمله، المقبرة، الذي رسمه في العام 1988، بعد حوالي سنة على اندلاع الانتفاضة الأولى. فالرسمة ذات الإطار البنيّ تبدو كحفرة مفتوحة، ننظر نحن إليها من الأعلى. مساحة الرسم تُلغي خطّ الأفق، بينما تنقلب هنا زرقة السماء وبنيّة التراب. يطفو، في مركز الرسمة، ما يشبه السروة التي كأنّما تحدّد خطوط الحدّ ما بين القبور، وأغصانها تشير إلى الحياة الأبدية، الحداد والتفجّع. إلى جانب السروة، رُسم ما يشبه باب دخول لا يؤدّي إلى فضاء ممكن آخر، بل إنّه يغوص في الوحل المُغرق. على الفضاء الموحل تمّ رسم ثلاثة عناصر هندسية، بألوان زيتية فاقعة، وكأنّها شواهد قبور، مربّع برتقاليّ محدّد بخطّ أسود، مربّع أصفر ودائرة حمراء، وهما إشارتان تطفوان، أيضًا، في حيّز رسم موحل لا مخرجَ منه.

إنّ شعور الفخّ والانغلاق للمنظور يزداد تفاقمًا في هذه الأعمال التي رُسمت بعد اندلاع انتفاضة الأقصى. إفرات ليفني تشير إلى نقطة تحوّل في عمل نوباني:
 "جاءت أحداث أكتوبر 2000 وانتفاضة الأقصى لتفاجئ نوباني وهو في قريته غارق في عالم الرسم الخاص به. فقد اندلعت وفرضت نفسها على عمله وحياته (...) دفعة واحدة. أمّا الأحداث التي تلت ذلك والمتمثّلة بأحداث الانتفاضة المندلعة في المناطق والمواجهات في جنين، فقد حوّلت نوباني من الإحساس بالخيبة واليأس إلى الإحساس بالغضب الذي تطوّر إلى صراخ يبحث عن مخرج تعبيريّ."

هذه الصرخة ملموسة جيّدًا في البورتريه الذاتي، بدون عنوان، 2004. يظهر في الرسمة وجه، وهذا الوجه هو منظر طبيعيّ أيضًا، يتحوّل إلى جزء من شجيرة خضراء تتسلّق وتتسلّل إلى داخل فكّين مفتوحين على اتساعهما ويكشفان عن هوّة صفراء. العينان المرسومتان بالأصفر والأخضر، تبدوان كلولب. الجسد نفسه مجروح ومقطّع، وبدلاً من الكتف واليد هناك جدعة، أي ما تبقّى من العضو، وهو أيضًا بمثابة لولب يتسلّل في داخل الجسد. الجريح مبتور الأعضاء لدى نوباني عديم الصوت، عيناه مملوءتان بالألم، لكنّ صوت الصرخة غير مسموع، بل إنّه يتردّد فقط في الفكّين المفتوحين في مواجهتنا.

في سلسلة أعمال تعود إلى العقد الأخير يعود نوباني إلى صورة المتاهة التي تختفي فيها الشخصية الإنسانية، بينما الدلائل الإنسانية مثل العيون أو خصلات الشعر، تطلّ وحدها من داخل حيّز هندسيّ لا مخرج منه. في العمل، بدون عنوان، 2007، تبدو متاهة من المربّعات التي تخلق عمقًا، بينما التوتّر ما بين الحركة نحو الداخل وبين الإطار الأسود، بين الكشف وبين الإخفاء، يعزّز من الشعور بالفخّ داخل فضاء الرسم. في رسمة أخرى، بدون عنوان، 2007، يبدو أنّ سيرورة التهجين الفنّيّ للمجرّد الهندسيّ مع الرمزية في الرسم، تصل حدّ اكتمالها. فالمساحة الهندسية تدفن تحتها المركّبات الرمزية المحلّية، العينيّة، التي ظهرت في أعماله، من خلال خلق متاهة وفخّ، بنية تتفكّك، تنثني نحو الداخل وتبقي خلفها فوضى وآثار أقدام.

 
عاصم أبو شقرة، وُلد في أم الفحم، 1961-1990

صورة الصبر في الأصيص التي تظهر في أعمال عاصم أبو شقرة، هي إحدى الصور الفلسطينيّة القليلة التي دخلت إلى السجلّ المتعارف عليه (Canon)  في الفنّ الإسرائيلي. صورة الصبر كانت في مركز المعرض الشخصي الذي عرضه أبو شقرة في تل أبيب-يافا إلى أن تُوفّي مبكّرًا في عمر 29 عامًا، وفي معرض استرجاعيّ شامل لأعماله، عُرض في جناح هيلينا روبنشطاين التابع لمتحف تل أبيب في العام 1994.

بموازاة أعمال الصبر في الأصيص، رسم أبو شقرة على قطع قماش كبيرة سلسلة مختلفة تمامًا من الأعمال وفي مركزها شجيرات صبر. مقابل الطبيعة الساكنة، الصبر في الأصيص، المدجّن، الأليف والمقلّص، يضع أبو شقرة صورة الحرش الفلسطيني الشائك، صورة نباتية، متفرّعة مهدّدة ولا حدود لها. في العمل "بدون عنوان"، 1988، تظهر دوائر كثيرة تخلق حرشًا غزيرًا من شجيرات الصبر، الشجيرات تسيطر على القماش كلّه وكأنها تهدّد بالاندلاع خارج إطار الرسمة. بين الأوراق في الجزء السفلي من الرسمة تظهر بقع لونية بالأسود، البرتقاليّ والأحمر، والتي تذكر بحريق، ألسنة لهب وأرض محروقة. الصبر في هذا السياق هو شهادة على العنف الذي طبعه المحتلّ على الأرض. في الرسمة "صبر (1)"، 1988، تم تحديد شجيرات الصبر داخل إطار حادّ وواخز، حيث تظهر التخطيطات المرسومة بينها أشبه بقطع زجاج مكسّرة حادة. في عمل إضافي من السنة نفسها، "صبر (2)"، تبدو أزهار الصبر الحمراء كبقع من الدماء. في هذه الأعمال، تتحول شجيرات الصبر إلى سور منيع ومحصّن، وإلى حرش غزير لا يمكن اختراقه أو العثور على ملجأ في داخله.  

خلافًا للصبر في الأصيص، الذي يحافظ على العلاقة المتفرّعة بين الشجرة وبين جذورها، تقترح صورة الحرش الشائك الممتدّ بلا حدود، استعارة أخرى كغذاء للتفكير. حرش الصبر الشائك يرفض أن يتحوّل إلى دلالة جغرافية قومية أو إلى مشهد طبيعيّ كوكيل لنقل قيم ثقافية. حرش الصبر الشائك ليس شجرة تشير إلى بنية وجنيولوجيا في منظومة ثابتة وهرمية من العلاقات في الحيّز، وهو ليس منظرًا طبيعيًا يحدّد في الغابات وفي الأحراش خطوط الجغرافيا الخارجية للجبال والتلال. يبدو أنّ صورة الحرش الشائك تقف في مواجهة نمط رسم المنظر الطبيعيّ التقليديّ الذي يتماثل مع الإمبريالية الأوروبية التي وثقت نقطة السيطرة المهيمنة على المنظر الطبيعيّ وخلّفت وراءها خرابًا وركامًا من الأنقاض. لا توجد في حرش الصبر الشائك لدى أبو شقرة نقطة سيطرة، وليس هناك منظور مركزيّ، فالحرش الشائك هو دلالة على الكثرة، على مناهضة التوسّع الجغرافي الدائم والعنف المتواصل المستثمر في الأرض، بواسطة الثقافة وفي داخل الثقافة.

هذا التوتّر ما بين العنف والثقافة واضح في الرسمة "بورتريه ذاتي مع ربطة عنق"، 1988. ربطة العنق التي تمثّل الثقافة الأوروبية الرفيعة الشأن، المحنّطة، تظهر هنا كغرض ثقيل الوزن، كجسم غريب. ربطة العنق تقطع رأس الفنّان، وجهه مشار إليه بثلاث دوائر، عيناه وفمه مفتوحة كما لو في صرخة. وجهه يكاد يمتزج في الخلفية، وهو يُحشر نحو الداخل بواسطة التأطير المزدوج وأحاديّ اللون المماثل. جسد الفنّان يظهر كجذع مقطوع اليدين. هذا البورتريه يطلق صرخة ويتمسّك بربطة عنق تخرج خارج الإطار، ومن غير الواضح ما إذا كانت حبل نجاة أم حبل مشنقة. البورتريه يعبر عن صراعات الهوية والغربة التي رافقت أبو شقرة خلال فترة حياته القصيرة.

 
ميخائيل حلاق، وُلد في فسّوطة، 1975
يعيش ويعمل في حيفا

البورتريهات الذاتية لدى ميخائيل حلاق تتناول الأسئلة الأساسيّة المُرتبطة بسياسة الهويّات والتمثيل الذاتيّ لدى شبّان وشابات فلسطينيين في إسرائيل. إمكانية الانتقال أو عدم الانتقال في الحياة العصريّة، داخل حالة مؤقّتة طبيعية، من دون أن يتمّ تشخيصهم فورًا كـ "آخر"؛ إمكانيّة الاستناد إلى صورة وجه غير موصومة بعلامات، لا توجد فيها دلائل إثنيّة والاندماج بين حشد الناس بدون أن يتمّ توقيفهم، تفتيشهم وكشفهم.

في الرسمة "بدون عنوان"، 2008، يبدو الفنان بمعطف جلديّ أسود وقميص بدون أكمام، تمسك إحدى يديه بالأخرى، وتقلّص من أبعاده الجسدية المحدّدة بزاوية مواجهة مشدّدة. يُبتلع الفنّان في الخلفية الداكنة والمظلّلة، فتبدو الشخصية كما لو أنه تمّ ابتلاعها في الظلام. تمثيل الشخصيّة من الأمام، هو أمر تمّ تناوله أكثر من مرّة في سياق الصور البوليسية لمشتبه بهم أو محقَّق معهم. في هذا السياق، يبدو أنّ شخصية الفنان تفتقر إلى التميّز، عيناه مظلّلتان ولا تظهران بوضوح، ولذلك فهما لا تخلقان علاقة بصريّة مع المشاهد. تفتقر شخصيّته إلى تفاصيل مُشخّصة خارجة عن المألوف، ويبدو كأنّه يحاول أن يبدو طبيعيًّا قدر الإمكان حتى لا يجذب أيّ انتباه إلى صورته المنعكسة من الجدار. التناقض بين التدقيق والتفصيل في الرسم الواقعيّ وبين إيماءة الجسد، يخلق شعورًا بالكشف، عدم الارتياح والحرَج.

يظهر الارتداع من إمكانيّة الانكشاف بوضوح في الرسمة "بدون عنوان (1)"، 2008، التي يغلق حلاق عينيه فيها. في هذه الرسمة ذات المنظور القريب، يظهر الفنّان أنّه في بيته. إغلاق العينين في الحيّز المنزليّ يمثّل عمًى مزدوجًا، داخليًّا وخارجيًّا. في العديد من الثقافات، يُنظر إلى العينين كأبواب الروح، ويعبّر إغلاق العينين مقابل المشاهد عن حاجز، حظر، انعدام إمكانيّة التعرّف عن قرب على شخصيّة الفنّان. لكنّ إغلاق العينين يعني، أيضًا، الانقطاع والعزلة.

إنّ العمل "بدون عنوان (2)"، 2008، يستند إلى صورة يبدو فيها حلاق بقبعة صوفية، في حين أنّ عينيه مغمضتان جزئيًا، وهو ينفخ بخار أنفاسه على لوح زجاجيّ، ويتمّ تصويره من خلفه. لا يظهر لوح الزجاج على قماش الرسم، بينما يموّه بخار أنفاسه منطقة الفم بنوع من الانطلاق. مقابل إغلاق العينين التام، فإنّ تمويه الفم من شأنه أن يفسّر كمحاولة بصريّة للتعاطي مع مسائل الإسكات، كمّ الأفواه وإمكانية التكلّم، إلى جانب جعل عمليّة التنفّس حاضرةً وإعطاء تعبير خارجيّ لتنفّس الفنّان ولداخله.

البورتريه الذاتيّ لدى حلاق لا يتناول مسألة ما إذا كان البورتريه يمثّل، بشكل موثوق، منظر وجهه، بل إنه محاولة جدلية لخلق انكشاف، وفي الوقت نفسه، إغلاق. تخلق مسألة التمثيل هنا استعراض حضور واقعي وفي الوقت نفسه تمويهًا مقصودًا. في هذا السياق، يخطر في البال ما أكّده ماكس بكمان، "إذا أردت اصطياد اللامرئيّ فعليك اختراق المرئيّ قدر الإمكان". لكن، في حالة حلاق يبدو أنّ الاختراق ينطوي، أيضًا، على خوف حقيقيّ وعلى حاجة إنسانية لحماية قطعة الروح الداخليّة لدى الفنّان.

درار بكري، وُلد في عكا، 1982
يعيش ويعمل في تل أبيب–يافا

تتناول أعمال درار بكري المسح المعماريّ لمحيط مكان سكناه في مدينة تل أبيب–يافا. فمن على سطح بيته، يوثّق بكري شارع تشلنوف الذي يربط شارع سلمة في الجنوب بشارع بيغن في الشمال، غربيّ المحطّة المركزية الجديدة-القديمة. لقد تمّ تشخيص هذا الموقع الحضريّ في جنوب المدينة، منذ البداية، كمنطقة طرفيّة على الخطّ الفاصل بين عرب يافا وبين يهود الأحياء الجديدة.

في سلسلة الرسومات "بدون عنوان"، 2008، تظهر بنايات الشارع المرسومة من نقطة الأطلال العالية، زاوية نظر تقوم على السيطرة الحيّزية وهي تطلّ على المدينة حتى ما بعد خطّ الأفق. لا يظهر في هذه الأعمال أناسٌ. فسكّان جنوبيّ المدينة ليسوا حاضرين في الرسمة. وكأحد سكّان الحيّ، يشهد بكري على حصول تغيّر دائم للسكّان، وعلى حيّ يأتي إليه ويغادره – مهاجرون جدد، عمّال أجانب يتمّ طردهم منه أو مهاجرو عمل لاجئون، عمّال مياومة أجيرون يمكثون في الحيّ لفترة قصيرة فقط. بكري يجمّد هدوءًا مُتخيّلا لحيّز حضريّ على شفا الإخلال بالنظام. دخول العنصر البشريّ إلى داخل إطار الرسمة هو ذو احتمال للإخلال بالنظام، التهديد والدمار. أمّا غيابه فهو يشحن الحيّز بشعور من الخطر وحالة الطوارئ، حيث أنّ طيف لون السماء في ساعات الغروب، ورديّ-برتقاليّ ينذر بالنهاية، يزيد من حدّة العديد من الرسومات. للحظة للحظة واحدة تنذر بالنهاية، يبدو الحيّ الواقع جنوبيّ المدينة، على حدود مدينة يافا ما قبل العام 1948، في رسومات بكري كمدينة أشباح تذكّر بشكل رمزيّ القرى الفلسطينية ما قبل النكبة: شيخ مونس، المنشيّة، سلمة، أبو كبير، إرشيد وغيرها، وهي قرى كانت قائمة فيما صار بعد ذلك منطقة نفوذ مدينة تل أبيب، حيث أخليَت القرى من أهلها وظلّت فارغة من الناس.

إنّ محو العنصر البشريّ في صور المعمار في العصر الحديث هو أسلوب معروف في تاريخ التصوير الغربيّ. فالمباني والمدينة تظهر في هذا الموروث كمواضيع تجسّد الحداثة والتقدّم، في حين أنّ الناس، بكثافتهم الطبقيّة والإثنيّة، من شأنهم الإخلال بالزعم حول ما- فوق- الزمن بخصوص المدينة الحديثة. الدقّة الواقعيّة لدى بكري متأثّرة بهذا الموروث، لكنّ المعلومات البصرية التي تنقلها الرسومات تقوّض فكرة ما- فوق- الزمن بخصوص المدينة الحديثة، بكونها تكشف أسلاك كهرباء ممزّقة، أنابيب مجار وسخّانات ماء صدئة، بيوتًا قديمة وشرفات وجدران مشقّقة.  

إنّ آثار الزمن الذي مرّ واضحة، أيضًا، في الرسمة الاستثنائيّة "سفينة صيد مفترَسة في ميناء يافا"، 2008. ففي هذه الرسمة يصف بكري سفينة صيد مُحطّمة على شاطئ يافا، بما فيها من تعفّن الخشب المتآكل والعوارض المُكسّرة. لكنّ بكري يصف السفينة من الداخل، من منظور متميّز يخلق ما يشبه المبنى، بنية العوارض الخشبية، التي تستخدم أيضًا كما لو كانت ملاذًا. الشعور بالملاذ الذي يعرضه هذا المبنى يشير إلى ذاكرة التجربة الإنسانية بخصوص سفينة الصيد الفلسطينية، وكذلك إلى دورها في الوجود اليوميّ لصيّادي الميناء. لقد رسم بكري عددًا من هذه السفن، سفن تميل على جوانبها، مطمورة جزئيًا في الرمل، شكّلت نصبًا تذكاريًا لتاريخ قد مضى إلى أن جاءت جرّافات البلدية وأزالتها من الشاطئ.


 
راني زهراوي، وُلد في مجد الكروم، 1982
يعيش ويعمل في مجد الكروم

بأسلوبه الواقعيّ، وبتقنيّة الرشّ بالهواء المضغوط (Air Brush) التي تُستخدم، عادةً، لرسومات الجدران والغرافيتي، يعرض راني زهراوي في رسوماته صورًا لشارع، بيوت وجدران عارية لا تحمل أية إشارات أو عنوان. مجد الكروم، القرية التي يعيش فيها، هي الموضوع المركزي في أعماله. وهو يرسم القرية في أيامها العادية، في ساعات الصباح، بعد أن يكون الأطفال قد خرجوا إلى المدارس والبالغون إلى عملهم، حين تكون الشوارع خاليةً من السيّارات ومن الناس.
في الرسمة "حارة العين"، 2008، يبدو الزقاق المؤدّي إلى ساحة في الحارة القديمة من القرية. المستوى الأمامي من الرسمة غير واضح بعض الشيء، والعين تتوقّف عند التفاصيل المرسومة بدقّة عالية، كالمصابيح، الأنابيب وأسلاك الكهرباء. يعرض العمل "بدون عنوان"، 2008، بيتًا خاصًا مؤلّفًا من عدّة طوابق. أحد الطوابق مقصور وذو أبواب، بينما الطوابق الثلاثة الأخرى لا تزال في مراحل بناء مختلفة ومع شرفات إسمنتية وحجارة عارية. هناك طابق لكلّ ابن يتزوّج في العائلة، والبناء عموديّ لأنّه لم تعد هناك أراضٍ متيسّرة في القرية للبناء الملاصق للأرض. الشرفات فارغة، فتحات النوافذ والأبواب داكنة، سوداء، والمبنى نفسه خاو هو الآخر تمامًا من حضور سكان القرية. هذا الغياب البشريّ يُضفي كآبة على الحيّز العام وشعورًا بحالة الطوارئ الحاضرة في الجوّ.

حالة الطوارئ حاضرة بوضوح في العمل الذي يحمل العنوان "طفولة"، 2008، أو الذي يظهر فيه بيت عائلة خطيبة الفنّان، عبير إدريس، بعد ان أصيب بصاروخ كاتيوشا في حرب لبنان الثانية. في تاريخ 14.7.06، سقطت كاتيوشا في مجد الكروم. وأعلنت محطّة نجمة داود الحمراء عن إصابة ثمانية أشخاص بجروح جسدية، وعن إصابة أربعة أشخاص آخرين بحالة هلع. وقامت سيّارات الإسعاف وسيّارات العلاج المُكثّف بإخلاء الجرحى إلى المستشفيين في نهاريا وفي صفد. من بين جميع تفاصيل هذه الحالة الدرامية، يصف زهراوي المبنى الفارغ من الناس فقط، بعد فترة قصيرة من الإصابة المباشرة. المبنى المصاب لم يُتقوّض، ويقوم زهراوي برسم جدار البيت الخارجي الذي انهار، الثغرة المفتوحة في أحد الجدران، الدخان الأسود، الشبابيك البلاستيكية المحروقة والمتفحّمة. هذا المبنى كان يجب أن يحمي العائلة في غياب ملاجئ عامة في القرية. وهكذا، ففي حالة الطوارئ لا يوجد مكان يمكن الذهاب إليه.

تشهد البيوت الخالية على حالة الطوارئ تحوّلت إلى حالة ثابتة. فالحرب، في الماضي وفي الحاضر، ليست حالة درامية تنشأ من لا شيء، بل إنّها تستظهر العنف الدائم القائم تحت السطح، والموجود في أساس الحياة اليومية، وفي أساس ما يتراءى خارجيًا على أنّه حالة طبيعيّة.

 

رأفت حطّاب، وُلد في يافا، 1981
يعيش ويعمل في تل أبيب-يافا

في عمل الفيديو الذي أنتجه رأفت حطاب، "بدون عنوان"، يظهر الفنّان وهو يغرف الماء بدلو ويروح يروي شجرة زيتون مطوّلاً، فيما هو يفرك أوراق الشجرة ويلامس جذعها برقّة. في الخلفية يتمّ عزف أغنية "حبّ" للفنّان اللبناني أحمد قعبور. ظهرت هذه الأغنية للمرّة الأولى ضمن شريط موسيقيّ بعنوان "أناديكم" الذي يعكس الحاجة في التضامن الفلسطينيّ. أغنية "حبّ" تتوجّه هي الأخرى إلى الشعور بالانتماء لدى جمهور مستمعين فلسطينيين: " لكُم أعود دامي اليدين/ وفي زوايا غرفتي/رائحةٌ تبكي بألف عين/ لكم إذا تقاسموا ثيابي/ فقد أكونُ هيكلاً/ لكم إذا نسيتُ كلمةً/ تنجيني من الموتِ/ لكم عذابي (...) أحبّكم/ أي أترك المكان".

"أي أترك المكان"، تتردّد كلمات الأغنية، فيما ترافق حركة الكاميرا يديّ الفنّان اللتين تحفنان أوراق الزيتون برقّة. وللحظة، يبدو للمشاهد أنّ العمل يتناول مسألة الذاكرة، صورة شجرة الزيتون في الثقافة الفلسطينية كإشارة شاعرية وطنية إلى القرية الفلسطينية، إلى الفردوس المفقود الذي كان قبل النكبة. لكنّ استعارة "حقّ العودة" تتقوّض مرّة واحدة حين تبتعد الكاميرا وتكشف عن أنّ شجرة الزيتون وحطّاب الذي يقف إلى جانبها موجودان في مركز الباحة المرصوفة في ميدان رابين، وأنّ مصدر الماء الذي يروي الشجرة هو بركة النافورة المحاذية لمبنى بلدية تل أبيب. شجرة الزيتون محصورة في داخل مربع ضيّق بين بلاطات الباحة التي في قلب ميدان مدينة تل أبيب-يافا، وهو ميدان يُعرف بالمظاهرات السياسية، احتفالات يوم الاستقلال وموقع اغتيال رئيس حكومة في دولة إسرائيل. صحيح أنّ الشجرة مغروسة في تراب فلسطين، ولكنّها تبدو مقتلعة وغريبة داخل إطار من الإسمنت الذي يهدّد بخنقها وعزلها داخل أكبر المدن الصهيونية في إسرائيل.
عنوان عمل الفيديو، "بدون عنوان"، يعني أنه بدون اسم وكذلك أنّه بدون عنوان بريديّ، بينما كلمة عنوان هي، أيضًا، تجسيد الشيء، أو أساس الشيء. يبدو أنّ الخلفية الموسيقية لعمل الفيديو هو أساس الأشياء بالنسبة إلى حطّاب، في كلّ ما يتعلّق بمسألة المحليّة. حطّاب هو فنّان إنشائيّ يدمج في جميع أعماله الشعر والموسيقى العربيين كحيّز للغة والثقافة، كحيّز لمجموعة متخيّلة تتجاوز الحدود الجغرافية المعرّفة. هذا الشعر هو شعر سياسيّ قيميّ يُكتب عن بُعد ويشير إلى حيّز من التجذّر، الأحاسيس والحنين. "أي أترك المكان"، تتوجّه الأغنية لتروي للاجئين والمغتربين، للحاضرين الغائبين، للمحرومين من البيت ولمَن لديهم عنوان. إنّ الفجوة بين شعور الهويّة الجماعية الذي ينبع من صوت قعبور وبين وعي المكان لدى خطّاب، تشير إلى السؤال: كيف يمكنك العودة إلى مكان لم تغادره؟
 
إسكندر قبطي، وُلد في يافا، 1975
ربيع بخاري، وُلد في يافا، 1980
يعيشان ويعملان في تل أبيب-يافا.
في عمل الفيديو "حقيقة"، الذي أنتجه إسكندر قبطي وربيع بخاري، يظهر فلسطينيّان من سكّان يافا حين يقومان بالتجوّل في مواقع غير سياحية من المدينة، ويرويان، كما لو أنّهما مرشدا سيّاح، "تاريخ" المكان. النصّ الذي يرويانه هو رواية خيالية تمامًا، يبدو أنّها تستند إلى ما يبدو على السطح. وهكذا، مثلاً، يتطوّر نقاش بالقرب من مبنى مهجور حول الهيكل وموقع الألواح التي تضمّ الوصايا العشر في نوافذ المبنى؛ وفي المقبرة الإسلامية القديمة "الكزخانة"، الواقعة في يافا، تتجوّل الكاميرا بين الشواهد الحجرية وعلى منحدر الشاطئ، وهذا على خلفيّة حوار حول طابع شخصيّات الموتى المدفونين هناك؛ في المزبلة على شاطئ البحر يدور نقاش حول نبتة الفودكا التي نمت على شاطئ "جبليّة" وحول مصنع الكحول دونولو أ؛ ويتطوّر نقاش إلى جانب خزّان الماء حول اعتبار المكان "كأسًا مقدّسة" (Holy Grail) ذات معنى دينيّ ككأس المسيح المقدّسة. ميناء يافا، المقبرة، خزّان الماء والمبنى المهجور، هي معالم يصفها قبطي وبخاري بسخرية كمواقع ذات وظيفة تاريخية عديدة المعاني.

تكثر الثقافة الإسرائيلية من التطرّق إلى محو مدينة يافا الواقعة ما بعد الواصلة في (تل أبيب–يافا). هذا المحو لا يزال حيًا يُرزق في الفنّ الإسرائيلي المعاصر، ويمكن القول حتى إنّه تكاد لا توجد تمثيلات لمدينة يافا كمدينة عربية. عمل الفيديو يطرح للنقاش مسألة الذاكرة والنسيان في الثقافة الفلسطينية عمومًا، وفي مدينة يافا على وجه الخصوص، وهو نسيان عديد السنوات ويشكّل جزءًا من المحو الشامل للمدن الفلسطينية في العام 1948. لكن، ولشدّة السخرية، لا يخلق العمل رواية قومية فلسطينية تمثيلية وذات معنى.

يقوم قبطي وبخاري بعملية مركّبة: فيلمهما يتطرّق إلى موروث الأفلام الوثائقية التي تسعى لكشف "الحقيقة"، وكذلك إلى موروث إرشاد السيّاح الاستشراقي الذي ترسّخ في يافا. قبطي وبخاري يقومان، أيضًا، بتوجيه سهام السخرية إلى العالم العربي؛ فالقصص الخرافية التي يبتكرانها، هي جزء من موروث الأساطير الشعبية، الشائعات المروّعة وموادّ الدعاية. "أنا لا أعرف ما إذا كان بناء مجتمع بأكمله على الكذب هو طريقة حسنة"، قال أحد الفنّانين، من خلال التشديد على انعدام إمكانية تبنّي هذه الحقيقة أو تلك. المقصود ليس الخطاب ما بعد الحداثيّ، بل واقع الحياة القاسي الذي يعيشه الفلسطينيون في إسرائيل. فالفلسطينيون لا يثقون بأبواق الدعاية والمعلومات الرسمية الخاصة بدولة إسرائيل، وهم في الوقت نفسه لا يثقون بتلك الدعاية الخاصة بالأنظمة العربية. على هذه الخلفية يخلق الفنّانان محاكاة بديلة، يطلقان عليها بشكل ساخر اسم "حقيقة"، أو كما يقول أحدهما: "أنا لا أعرف ما إذا كانت هذه هي الحقيقة الحقيقيّة، لكن هذه هي الحقيقة التي يريدون سماعها".  


 
فهد حلبي، وُلد في مجدل شمس، 1970
علاء فرحات، وُلد في بقعاثا، 1977
يعيشان ويعملان في تل أبيب-يافا.   

فهد حلبي وعلاء فرحات هما فنانان سوريان يستند إنتاجهما الفني المشترك على عملهما، في العقد الأخير، كعامليّ بناء، أجيرين وفقًا لنظام المياومة وعاملي المقاولة. يصف عمل الفيديو Working day، 2009، يوم عمل في موقع بناء يُقام فيه الكنيس الفخم للمهاجرين من جورجيا في مدينة أشدود. فنّانا الفيديو حلبي وفرحات خبيران في بناء الأعمدة، في التقاليد المعمارية اليونانية-الرومية الكلاسيكية، بالأسلوب الأيوني والكورنيتي وفي تخديد وتسنين (fluting) الأعمدة بتقشير طوليّ بشكل نصف دائريّ. المبنى الجديد، بما فيه نجمة داود في واجهته، مُزيّن بأعمدة عالية تبدو استثنائية وغير مألوفة على خلفية أحياء مدينة أشدود.

تتحرّك الصورة ما بين عمل التقشير الذي يتمّ فوق سقالات تحيط بالكنيس وبين محادثة عمّال البناء الفلسطينيين التي تجري أسفل مبنى الكنيس. في مركز المحادثة قصّة عامل شاب فلسطيني غزّيّ، جاء إلى أور يهودا منذ طفولته. وهو يكشف في محادثة صريحة سياسة الهويّات المركّبة التي يعيشها بين أصدقائه اليهود وأصدقائه الفلسطينيين في إسرائيل وأصدقاء الطفولة من غزّة، الذين يقول عنهم: "أنا مؤمن بأنّه لو كنت الآن في غزّة، لو أنّني كنت لا أزال هناك، فإنّ صورتي وحدها ستظهر على الجدار – شهيد". وهو، على امتداد المحادثة، يتماثل مع جميع الأبرياء الذي يُصابون، سواء أكان في سديروت أو في غزّة، ومن بينهم أصدقاؤه الذين قُتلوا منذ فترة غير قصيرة في الحرب على غزّة.

تكشف محادثة عمّال البناء مفردات عاميّة باللغتين العربية والعبرية، كشفًا لسير ذاتية، وعيًا طبقيًا ونقدًا شخصيًا وسياسيًا. جميع هذه المركّبات تؤلّف مع بعضها البعض آخروية فلسطينية مركّبة، تشمل هوية سورية-عربية من شمال هضبة الجولان، هوية فلسطينية في إسرائيل، وهويّة فلسطينية في غزّة، وتطرح أسئلة حول الاغتراب، التماثل والحنين.

في عمل حلبي بعنوان، شنكين ملتشيت، 2009، يبدو الفنّان في أثناء صبّ سطح المبنى في الزاوية ما بين هذين الشارعين في مركز تل أبيب. من نقطة الإطلالة فوق السقف تنكشف مدينة تل أبيب بسطوحها، شرفاتها، والبنايات متعدّدة الطوابق الجديدة فيها. الكاميرا تتحرّك بين علامات الحداثة المتقدّمة وبين العمل اليدويّ الذي ليس هناك بديل له، وتتمحور في يديّ الفنّان اللتين تمسكان بماسورة مطاطيّة يصبّ بواسطتها الباطون. حركات الماسورة تذكّر برقصة أو بـ"رسمة الفعل" التعبيرية التي استخدمها جاكسون فولك في رسومات التنقيط المعروفة لديه. بوصفه فنانًا مبدعًا، يسيطر حلبي على انسكاب الإسمنت، من خلال توزيعه وملء الشقوق به، الإسمنت يتمدّد، ينصبّ ويمتزج وينقط بحسيّة على حيّزات السطح كما لو أنّه على قماشة كبيرة الحجم. حلبي يخلق مساحة رسم ذات جماليّة أحادية اللون رمادية، إلى جانب وعي طبقيّ ساخر وحكيم.

حركة الرقص، وكذلك الوعي الطبقيّ الساخر، ملموسان، أيضًا، في عمل فيديو آخر أنتجه حلبي،  هو "إليكِ مع الحبّ"، 2006. في هذا العمل يبدو حلبي بثياب عامل بناء، فيما يتمنطق بكامل عدّة العمل ويرقص رقصًا شرقيًا على أنغام أغاني المغنية اللبنانية نانسي عجرم. خلال الرقص، يخلع حلبي قميصه بإيماءة تذكّر المشاهد بالواقع الوجودي الفلسطينيّ في العقد الأخير، والذي يُضطرّ فيه عمّال فلسطينيون كثيرون إلى كشف أجسادهم خلال اجتياز الحواجز، خلال الصعود إلى الباص، وكجزء من الروتين اليوميّ حين يلتقون مع قوّات الأمن الإسرائيلية.

يكشف حلبي في العمل جسدًا ذكوريًا شرقيًا-عربيًا مقابل أعين غربية. إنّه يتحدّى الصورة النمطية التي ترى في الرجل الفلسطيني خطرًا، تهديدًا أمنيًا وساعة متكتكة، ويتحدّى كذلك الصورة النمطية الاستشراقية للرقص الشرقيّ كرقص أنثويّ شرقيّ رخيص، حيث يقوم، بكل حسيّة ومتعة، بحركات جسدية تواصل تقاليد مديدة السنوات من الرقص العربيّ-الشرقيّ.

 
 
בניית אתרים אפה מולטימדיה