Warning: Parameter 3 to plgContentFootnotes::onBeforeDisplayContent() expected to be a reference, value given in /home/menin/public_html/libraries/joomla/event/event.php on line 67
أبو كِشْك{footnote} ذكر الخالدي أنّها قرية تقع على أراضيها اليوم مدينة هرتسليا، يُنظر: وليد الخالدي، كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمّرتها إسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها، مؤسّسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، د. ت.، ص 684.{/footnote}
حنّا فرح- كفربرعم

أردتُ كتابة بعض الكلمات، فتوقّفت في منتصف الطريق، وضعتُ كتاب وليد الخالدي كي لا ننسى، وفي مقابله - صورة فوتوغرافية لقبر مسلوخ، بقايا حروف على كسرات الرّخام من مقبرة أبو كبير، الشيخ مراد، بطريق اللد (بطريق كيبوتس غلويوت). شعرتُ بثقلٍ وحزنٍ يشدّانني إلى الأرض.

لا الخوفُ من المقابر
ولا الصُّردُ
ولا الكوابيسُ
تستطيعُ
أنْ تحجِبَ حُزنيَ عنِّي
دقَّةَ قلبٍ:
حُزني قديمْ
أشْيبُ وطويلْ
وليسَ
من أحزانِ اليوم!
طه محمّد علي، حزن، {footnote}طه محمد علي، قصائد، ترجمها للعبرية: أنطون شمّاس، دار الأندلس، تل أبيب، 2006، ص 183.{/footnote}2000

بدقّة قلبٍ واحدة أتذكّر - أستعيدُ ثقافة تمّ "تغييبها": أسماء، مواقع، أحداث، مذاقات، روائح، قصص؛ ثقافة تطلّ من بين أنقاض الأسماء، في نور وفي ظلمة الذاكرة والوعي. البقيّة التي لا تزال تذكر ماضيها وتستعيده، وتتفجّع على ما كان، وبين هذه جميعًا – الوعي الذي يبني حيّزًا جديدًا خاصًّا به.

فلسطينيٌّ، بحكم كينونته، ينبني من قلب الثقافة الضائعة، من قلب علاقات جدليّة مع الذاكرة ومع الثقافة الغريبة، التي منها ينهلُ، ويقوم في الوقت نفسه بنقدِها. الزمن الضائع والمصادَر، مثل الثقافة وكجزءٍ منها، يواصل بقاءَه في وعي وذاكرة الذين يعيشون هنا وهناك، وكأنّما يرفض الاعتراف بمجرّد الانفصال.

نحنُ لم نبْكِ
ساعةَ الوداع.
فلدينا لم يكنْ وقتٌ
ولا دمعٌ
ولم يكنْ وداعْ.

نحنُ لم ندركْ
لحظةَ الوداعِ
أنّه الوداعْ
فأنّى لنا البكاء؟

طه محمّد علي، لم يكن، 1992 {footnote} م.ن.، ص 153.{/footnote}

الزمنُ هو الماضي الذي تتّكئ على ظلّ أنقاضِه الثقافةُ، وهي تنبني بإلهامِه وتنشدّ إلى الزمن الحاضر الذي، في قلبه، تتذكّرُ، توثّقُ، تستعيدُ وتصونُ أيضًا؛ تتطوّر إلى زمن المستقبل من خلال ترسيخ زمنٍ جديدٍ، كحلزون تبدو التواءاتِه الحلقيّة متشابهةً، لكنّه يكبر ويتّسع طيلة الوقت، نحو الداخل ونحو الخارج، يبني حيِّزًا إلى جانب حيّزٍ، طبقةً فوق طبقة.

ستّون سنةً وسنةٌ أخرى، ولربّما أنّه ستتشكّل بعد سنة الكلمات التي هي خلاصة حدثٍ تاريخيٍّ معاصر، حدث يُغيّر الوعيَ في إطاره مكانه، بينما الزمن، وسط حركته – في الحيّزين الخاصّ والعامّ – يُصادَر من قبل الفنّانين. وهكذا، فإنّ صبر عصام أبو شقرة، السجين بين جدران أصيص، يثورُ ويندلعُ ويتحوّل إلى حرش شائك كثيف ومهدِّد، يرفضُ البقاءَ محدَّدًا داخل وعاء. إبراهيم نوباني يرسمُ مسارًا على مسارٍ، مثلما في مقبرة أبو كبير، وحين يُنتزعُ جلدُها عنها، يظهر جسد-كتلة داخلية من الإسمنت، وحجارة صغيرة تحت بقايا الرخام المطلّ من فوق، وثغرة في الباطون حيث لوحة الفاتحة. أسد عزّي يرسم شخصيةَ رجل-عودة متقدّم في العمر، يرفضُ وقفَ تمسّكه في قلب الجلَبة؛ يُمسِك بنفسه في داخل الرسمة، يُمسِك برجليه الحسكة كي يظلّ حاضرًا، وليس غائبًا. أسامة سعيد يبني ما يشبهُ نمرودًا جديدًا من قلب الأرض، يتردّد صدى صرختِه (وصرختِها) داخل صمتنا. عبد عابدي يتذكّر، كي لا ننسى، بخطوطٍ سوداء، كحروفٍ منقوشةٍ على ورقة بيضاء.

جاء جيل جديد، شابّ، وهو يضع علامات سؤال على المحتلّ، على من تحت الاحتلال وعلى ما بينهما. رأفت حطاب يطرحُ تساؤلات ويطعنُ في مصادرة الثقافة ورموزها، سجنها وإخصائِها: أليس هذا مصباح الهيكل، ذلك الذي يتلألأ على بوّابة تيتوس في روما، والذي يتباهي المحتلّ بعرضه في ميدان النصر؟ من يمسِكُ بمَن، يتساءلُ: الرمزُ فينا أم نحن فيه؟ فهد حلبي وعلاء فرحات يوثّقان مصادرةً من نوع آخر، قديم-جديد، مصادرة ثقافة على شكل مبنى وصورة إنسان، وهما يتحوّلان إلى غريبين عن المكان وثقافتِه، رغم أنّ كليهما يتقاسمان الحيّز نفسه، ويُكملان الواحد الآخر؛ رغم أنّهما يرمزان إلى مقاومة وتمرّد، وفي الوقت نفسه، يشدّدان على رموز انفصال داخل ثقافة تحاول صهر كلّ شيء في كتلة واحدة. دُرار بكري وراني زهراوي، كلّ واحد في عمله، يجمّدان لحظةً سابقةً أو لحظةً لاحقةً في حيّزات مدينية. الفراغ ككينونة تمّ تجريبها على امتداد ستّين سنة، وسنة أخرى، من يافا وحتى غزّة مرورًا بتل أبيب. ميخائيل حلاق بقي داخل الرسمة، عيناه مغمضتان، نظرتُه موجَّهة نحو الداخل، وهو يشدّنا معه، إلى داخله، إلى داخلنا، في داخل الضوء الذي يغمرُ وجهَه. الـ "حقيقة" لدى إسكندر قبطي وربيع بخاري تطرح أسئلةً حول الراهن، الماضي والاستكتاب الذي تمرّه الكلمات حتى نتمكّن من العيش مع الستّين سنةً والسنة الأخرى، وربّما مع سنة إضافية.
 
בניית אתרים אפה מולטימדיה