Warning: Parameter 3 to plgContentFootnotes::onBeforeDisplayContent() expected to be a reference, value given in /home/menin/public_html/libraries/joomla/event/event.php on line 67
"الحيـاة الطبيعية" إذ تكون
بفضل الأدب والفـنّ

أنطـوان شلحـت


سأبدأ بحادثة شخصية:
في نهاية حزيران/ يونيو 2008 التقيت، لآخر مرّة، الشاعر محمود درويش في نطاق وجبة عشاء في مطعم محاذٍ لشاطئ البحر في مدينتي عكا. وقد تبيّن، في وقت لاحق، أنّه كان بمثابة العشاء الأخير لكن غير السريّ. وعندما هزّنا نبأ رحيله عن هذا العالم، في أواسط آب/ أغسطس 2008، حضرتني على الفور مجموعة من الذكريات التي ظلّ يحملها عن عكا، وارتأى أن يحرّرها على الملأ خلال ذلك العشاء الأخير. وكانت، على وجه التحديد، ذكريات عن السجن القائم في المدينة، الذي أودع في غياهبه خلال ستينيات القرن الفائت، عندما تعرّض للتنكيل والملاحقة في إبان فترة الحكم العسكري الإسرائيلي، وتحديدًا على أعتاب حرب حزيران/ يونيو 1967 وفي أثنائها وفي أعقابها. وقد مرّت هذه الذكريات أمام ناظري كما لو أنّها شريط متحرّك.
ولا بُدّ من التنويه، على ذكر هذه الحرب، أنّ درويش اكتسب صيتًا وشهرة ذائعين في العالم العربي- سوية مع عدد من الشعراء العرب في إسرائيل- عقب تلك الحرب. وقد حدث ذلك، من ضمن أشياء أخرى، بفضل كتاب "أدب المقاومة في فلسطين المحتلة" للأديب والباحث الفلسطيني غسان كنفاني، الذي صدر في بيروت قبل سنة 1967. وفي وقت لاحق كان هذا الصيت، على ما يبدو، من جملة العوامل التي أدّت إلى أن يتّخذ درويش قراره ترك البلد، وعدم العودة إلى الاستقرار فيه مرّة أخرى.
قبل تلك السنة كان العالم العربي يتغاضى، بصورة تكاد تكون تامة، عن العرب الذين بقوا في داخل "الكيان الصهيوني" وعن إبداعهم الأدبيّ. لكن على الرغم من ذلك كان سؤال الهوية موتيفًا متميزًا في الشعر الفلسطيني في إسرائيل منذ أوائل الخمسينيات.
وفي الإمكان أن نلاحظ أنّ قصائد تلك الأعوام تنطوي، في معظمها، على قاسم مشترك يتمثل في التماهي مع العالم العربي الكبير، الذي أقيمت إسرائيل في قلبه على الأقلية العربية الباقية فيها. إنّ هذا التماهي انعكس في قصائد درويش الأولى. فهو يكتب، مثلاً، في ديوان عاشق من فلسطين: {footnote} محمود درويش، عاشق من فلسطين، مكتبة النور، حيفا، 1996.{/footnote}

نعم! عرب
ولا نخجل
ونعرف كيف نمسك قبضة المنجل
وكيف يقاوم الأعزل
ونعرف كيف نبني المصنع العصري
والمنزل..
ومستشفى
ومدرسة
وقنبلة
وصاروخًا
وموسيقى
ونكتب أجمل الأشعار
عاطفة، وأفكارًا، وتنميقا!.

وبمرور الأعوام في الإمكان أن نلاحظ، أيضًا، أن هناك منطلقًا آخر يقف وراء تلك القصائد، في معظمها، هو التماهي مع الشعب العربي الفلسطيني، الذي تشظّى وتشتّت في أصقاع الأرض. وقد أصبح هذا المنطلق أكثر حدّة وحضورًا كلما أخذت الهوية الفلسطينية في التبلور والاكتمال، وخاصة بعد حرب حزيران/ يونيو 1967، علمًا بأنّه كان موجودًا في قصائد الشعراء الفلسطينيين في إسرائيل قبل تلك الحرب كذلك.
وعلى الرغم من أن الانطباع الأوليّ، الذي قد ينشأ من شعر كهذا، يحيل إلى بساطة المفردة الشعرية، إلا أن هناك أمرًا مؤكدًا لا بُدّ من الالتفات إليه هو أن درويش لم يستعجل كتابة القصيدة. ويعكس شعره، في مجمله، موهبة فذّة ونفسًا طويلاً، ويستلزم من القارئ أن يكون متسلحًا بمعارف كبيرة وأدوات خاصة من أجل عدم مجانبة استعاراته أو مجازاته.
بيد أن ما يهمّنا في هذا المقام، أساسًا، هو أن أجيالاً كثيرة من الفلسطينيين والعرب قد ترعرعت وتثقّفت على شعر درويش خصوصًا، وعلى شعر عدد من مجايليه الشعراء عمومًا. وبالنسبة لأترابي- أبناء الجيل الثاني عقب سنة 1948- فإن أكثر ما يرمز إبداع درويش وبعض مجايليه إليه هو قدرته المدهشة في أن يعيدنا، على أجنحة الشعر، إلى ما كان قبل النكبة في سنة 1948، وكاد أن يمحوه الزمان ونوائبه. وبكلمات أخرى قدرته في أن يعيدنا إلى مناطق منسية من الحياة الطبيعية التي عاشها شعبنا الفلسطيني، والتي حوّلتها النكبة إلى حياة غير طبيعية لا تزال تنوء بكلكلها حتى الوقت الحالي. بناء على ذلك، ليس من المبالغة أن نعتبر أنّ الفضل في "الحياة الطبيعية" التي يعيشها الفلسطينيون هنا والآن عائد، بدرجة كبيرة، إلى هذا الإبداع.

*****

لقد جعل درويش الشعر ذاكرة شخصية له، وأخذ على نفسه أن يحملها على كاهله "إلى آخري... وإلى آخره!" (كما جاء في كلمات إحدى قصائد ديوان "لماذا تركت الحصان وحيدًا"). وسرعان ما تحوّلت هذه الذاكرة الشخصية إلى ذاكرة جماعية.
وعلى الرغم من أنه عُدّ، في نظر الجميع، الشاعر القومي للشعب العربي الفلسطينيّ، إلا أنّ شعره عكس الآن وهنا في الوقت ذاته، وذلك بفضل كونه شاعرًا بامتياز. لذا، في الوسع القول، بصورة أكيدة، إن درويش- مقارنة بسائر الشعراء الذين عادة ما يتم إدراجهم في نطاق ما عرف باسم "ظاهرة شعر المقاومة"- هو الاستثناء، الذي لا يثبت القاعدة. وبكلمات أكثر بساطة فإنّه من أجل أن تتبوّأ مكانة الشاعر القومي في نظر العالم طرًا، لا في نظر قوميتك وحسب، يتعين أن تكون شاعرًا أولاً وقبل أي شيء كما كان درويش في الحقيقة. ويجمع دارسو شعره على أمر واحد، على الأقل، وهو أن سرّ كونه شاعرًا قوميًا غير كامن في إبداع قصائد ذات طبيعة مقاتلة وحماسة قومية  {footnote} انظر الدراسة الشاملة لشمعون بلاص "الأدب العربي في ظل الحرب" (تل أبيب، 1978): 78- 87.{/footnote} فقط، وإنّما هو كامن، أيضًا، في تحويل التجربة الفلسطينية إلى مجاز إليغوري، أو إلى أوديسا جديدة كونية وقومية وشخصية في الآن نفسه، كقول أحد الباحثين. علاوةً على ذلك كله فإن درويش تعامل مع أي نشاط بشري، بما في ذلك السياسي، كعمل إبداعي. وما تبقى كلّه هو تفصيلات، على الرغم من أهميته الفائقة.

*****

إنّ طريق الآلام التي سلكها درويش والأدباء والفنانون الفلسطينيون من أبناء جيله، خلال أوّل طريقهم في إسرائيل، لا تختلف عن طريق الآلام التي كانت من نصيب الثقافة العربية في البلد عمومًا، في ظلّ ما حدث في إبان سنة 1948 وما أعقبها. ومع أن هناك طرقًا كثيرة لقراءة شعره وشعر أبناء جيله، إلا أنّه لا تجوز قراءتهما في منأى عن تاريخ الثقافة العربية في البلد عقب السنة المذكورة.
كانت نكبة 1948 بمثابة هاوية سحيقة. فهي لم تخلّف في فلسطين تغييرًا جذريًّا في المجتمع الفلسطيني من حيث العدد فقط (بحسب الإحصاءات "الجافة" فقد بقي 156 ألفًا فقط في تخوم "الخط الأخضر" من مجموع أكثر من 800 ألف كانوا يعيشون في فلسطين قبل تلك السنة)، لكنها أحدثت، أيضًا، هزّة جوهرية في التركيبة الاجتماعية وأثّرت، إلى حد كبير، على مدلولات المشهد الثقافي اللاحق في صفوف المجتمع الباقي، الذي تغيّرت حاله من النقيض إلى النقيض.
ومن المعروف أن أكثر من ثلاثة أرباع الذين بقوا (لم يطردوا) كانوا من سكّان القرى (الريف). أمّا سكان المدن فقد تم تهجير الغالبية الساحقة منهم عن فلسطين في إبان النكبة أو بعدها بقليل. وهذا الواقع أحدث اهتزازًا صاخبًا وخلخلة كبيرة في جوهر المجتمع الفلسطيني الباقي، غير المطرود، الذي استفاق على واقع مغاير، جملة وتفصيلاً.  ومعروف كذلك أن المدن الفلسطينية قبل عام النكبة الكبرى، وخصوصًا يافا وعكا وحيفا، لم تكن فقط مركز القيادة السياسية ولكن، أيضاً، كما في معظم المجتمعات، المركز الأساس للقيادة الفكرية والثقافية.
وهكذا فإنه بعد نكبة 1948 بقي المجتمع الفلسطيني المقيم داخل حدود إسرائيل ريفيًّا في غالبيته الساحقة. في الوقت نفسه أخضع هذا المجتمع لحصار سياسي- اجتماعي- ثقافي من طرف الحركة الصهيونية التي أصبحت قيادة تلك الدولة. وتحوّل إلى أقلية قومية في دولة رأت ولا تزال ترى أن غايتها الرئيسة هي تطبيق الفكر الصهيوني، بكل ما يعنيه ذلك من النواحي الاجتماعية والقومية والثقافية.
ليس بعيدًا عن هذه المدلولات، بل وتحت وطأتها الثقيلة، بدأت تنشط بواكير حركة الثقافة الوطنية الفلسطينية في مناطق 1948.
وسرعان ما أضحت هذه الحركة وعاء الحفاظ على الهوية القومية في وجهة شحن الذاكرة الجماعية للفلسطينيين في الداخل بحقول خصبة من الدلالات التاريخية والثقافية المرتبطة بالنكبة وآثارها، والمرتبطة أيضًا بالهوية القومية للفلسطينيين في إسرائيل.
تاريخياً كان الشعر هو السبّاق في النتاج الأدبي. ولعلّ أحد العوامل وراء ذلك، وإن كان ليس أكثرها أهمية، كون الشعر يستطيع أن ينتشر من دون أن يطبع، وذلك عبر الانتقال من اللسان إلى الإذن فإلى لسان آخر وأذن أخرى... وهكذا دواليك.
وتجدر الإشارة إلى أنه بجانب الشعر الفصيح انتشر الشعر الشعبي، الذي كان بمثابة المتنفّس، والذي عبّر من خلاله الباقون عن أشواقهم ومعاناتهم.

وقد رأى أحد الباحثين التربويين الفلسطينيين أنّ التعبيرات البسيطة، المباشرة، البعيدة عن التكلّف والرمز والغيبيات، التي عكسها الأدب الشعبي (ويمكن الإضافة أنه قد تختلف الآراء حول قيمة هذه التعبيرات الفنية لكن لا تختلف على شيء آخر هو صدقها) تعكس راقة (طبقة) أوليّة وخامة أصلية لثقافة وطنية فلسطينية صادقة كانت الطاقة الدفاقة التي تدفع الشعب إلى تصعيد تصوّره الذاتي، من جهة، وإلى تكريس الذات على قاعدة الانتماء الفلسطيني اليقظ والواعد والمتصاعد، من جهة أخرى. هذا الوعي الأوّلي سينعكس، فيما بعد، ويترجم إلى مستوى فوق أوليّ، متصاعد هو، أيضًا، في إبداعات ثقافية متعاقبة نشرت في الصحف والمجلات التي "تغرِّد خارج السرب" الصهيوني، أو ألقيت في المهرجانات الشعرية الشعبية المختلفة.
وهذه الإبداعات بدأت مع جيل الأدباء الفلسطينيين توفيق زياد، حنا أبو حنا، عصام العباسي، حنا إبراهيم، راشد حسين. وتواصلت مع جيل محمود درويش وسميح القاسم، على سبيل المثال فقط.
هنا يثور السؤال: ما هي الأرضيات التي تفاعلت عليها هذه الإبداعات، من حيث سعيها إلى وقاية الهوية؟.
في معرض الإجابة عن هذا السؤال نستعيد توكيد الباحث الدكتور سامي مرعي أنه على أرضية "الواقع العربي الفلسطيني في إسرائيل" كان دور القادة العرب في الحزب الشيوعي الإسرائيلي بارزًا من حيث وقاية الهوية القومية، من ناحية، ومن حيث زرع الفكر التحرّري، الاجتماعي والسياسي، في وعي الجماهير المتفتّح والمتّقد، من ناحية أخرى، وذلك بالأساس من خلال صحافة هذا الحزب العربية، الأدبية والسياسية.
ويضيف مرعي في شأن متّصل: "من حيث استقطابه لجماهير عربية واسعة وطاقات ثقافية وفكرية محلية مبدعة، يعرف للحزب الشيوعي الإسرائيلي دوره في التأكيد على استمرارية الثقافة الفلسطينية التي كانت مهدّدة بالانقطاع..".
إن التوكيد على استمرارية الثقافة الفلسطينية، الذي يقول به الباحث نفسه عن حقّ، انعكس أساسًا في منحيين متصلين، مبنى ومعنى:
(*) الأول- منحى إبراز النتاج الأدبي والفكري لأعلام الثقافة الفلسطينية قبيل نكبة 1948 (مثل نتاج إبراهيم طوقان، عبد الكريم الكرمي- أبو سلمى، عبد الرحيم محمود وغيرهم من أساطين الثقافة الفلسطينية في العصر الحديث).
(*) الثاني- منحى التوكيد، في معرض "التنظير" لخلفيات النتاج الأدبي الفلسطيني داخل "الدولة اليهودية"، على كون هذا النتاج بعد نكبة 1948 هو استمرار (طبيعي) للنتاج الأدبي قبل تلك النكبة.
في هذا الشأن تحديدًا يقول محمود درويش: "يخطئ من يعتقد بأنّ شعرنا وأدبنا هنا قد نشأ من لا شيء.. فنحن الجيل الذي ترسّم خطوات من جاء قبله.. وليس شعرنا إلا امتدادًا لشعر أبي سلمى وإبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود".
ويضيف توفيق زياد: "إنّ شعرنا الثوري هو امتداد لشعر السلف الثوري لأن معركتنا هي امتداد لمعركتهم:
-            نفس الخندق- المحبة للأرض والشعب.
-            نفس العدو- الاستعمار والضاربين بسيفه.
-            نفس الهدف- التحرّر الوطني والاجتماعي.
-            نفس السلاح- الكلمة الجريئة.
ولكن.. مع اختلاف الظرف التاريخي".
وفضلاً عن موتيف الهوية نتعثّر في هذا الشعر بموتيف التمسّك بالأرض، الذي دجّج أدبًا مقاتلاً. وقد أوضح الشاعر سميح القاسم، ذات مرّة، أن الشاعر والبطل توأمان، في إشارة صافية إلى الدور الذي يتعيّن على الأديب الفلسطيني أن يضطلع به. وفي مقابلة أدلى بها القاسم، في أواسط الستينيات، إلى ناقد لبناني أضاف يقول إنه في ضوء الظروف القاهرة، التي وجد الشعراء الفلسطينيون الباقون في إسرائيل أنفسهم في خضمها، كانوا مضطرّين إلى أن يلتزموا، في شعرهم الحديث، وبصورة تلقائية، إيقاعات وأوزانًا تخاطب قلوب الجماهير العريضة.
وقد تبوأ محمود درويش مكانة خاصة داخل هذه الكينونة. وظلّ مستأثرًا بها مخلفًا الآخرين وراءه.
*****
لقد شيّع درويش إلى مثواه الأخير في رام الله. ووجدت كثيرين ممّن ساروا وراء نعشه يقاسمونني هذه المقاربة. وكنت آثرتُ، سلفًا، أن اشترك في الجنازة العامة الجماهيرية، والتي برز فيها حضور طاغٍ للأجيال الشابة المأخوذة بسحر شعره، والذي يعكس بدوره دلالة الاستمرارية، المذكورة آنفًا.
وعقب مراسيم الدفن تحلّقت جموع غفيرة من حول الضريح النديّ. وتناهى إلى مسامعي توكيد بعضهم أن جزءًا عزيزًا وغاليًا منهم دفن في أعماق الأرض، وأنه من الآن فصاعدًا "سنصبح ناقصين". إنه الشعور نفسه، الذي سبق أن أعرب درويش عنه، قبل اثني عشر عامًا من رحيله، لدى تأبينه الأديب الراحل إميل حبيبي، الذي أوصى بأن يُدفن في حيفا وأن تُكتب على شاهد قبره عبارة "باق في حيفا". وأعرب آخرون عن الامتعاض من تجاهل وصية درويش، المنثورة في شعره، بأن تكون رقدته الأخيرة في قريته الجليليّة البروة، التي شُرّد عنها مع عائلته إلى لبنان في سنة 1948، وأقيم على أنقاضها كيبوتس يسعور وموشاف أحيهود. غير أنّ شعره تكفّل بحمله إلى تلك القرية، من دون استئذان. وبالتزامن مع الجنازة في رام الله قام شبّان آخرون بتنظيم جنازة رمزية له في مسقط رأسه.
في سنة 1969 أدلى درويش بأول مقابلة للصحافة الإسرائيلية. وقال في سياقها إنّه عاجز عن مشاركة أحد الصحافيين اليهود الفرح بمناسبة مرور عشرين عامًا على إنشاء كيبوتس يسعور، لأن هذا الفرح قائم على أطلاله. فإن كيبوتس "يسعور" ومستوطنة "أحيهود"، كما يؤكد، مبنيان "على أنقاض قريتي... على أنقاض حارتي وبيتي. ذلك ينتمي إلى الماضي؟ ولكنه محفور في أعماقي". وعلى ما يبدو فإنه قد حفر مثل هذا الشعور وسيظلّ يحفره في أعماق كلّ فلسطيني، وربّما في أعماق كل إنسان.
وقد يكون هذا الشعور إزاء الماضي هو نفسه الذي دفع شاعرًا فلسطينيًا آخر، هو طه محمد علي، الذي شُرّد عن قرية صفورية واستقرّ في الناصرة، إلى أن يطلق تحذيرًا فحواه أنّ فرحه لا علاقة له بالفرح، في قصيدة تحمل عنوان "تحذير":
إلى هواة الصيد
وشُداة القنص.!
لا تصوبوا غدّاراتكم
إلى فرحي.!
فهو لا يساوي ثمن الخرطوشة
(تُبدّد باتجاهه.!)
فما ترونه:
أنيقًا وسريعًا
كغزال.
ويفرّ في كل اتجاه
كديك حجل،
ليس فرحًا.!
صدّقوني:
فرحي؛
لا علاقة له بالفرح.!

*****

غير أنه إلى جانب أبعاد عكس الواقع وتوظيفه فإن الشعر الفلسطيني، والأدب والفنون عامة، على صلة بالفرح، أيضًا، كما يشفّ عن ذلك إبداع أدباء وفنانين كثيرين عايشوا أحداث الماضي المأساوية. ومنهم حتى طه محمد علي نفسه، الذي عاد ليقول في قصيدة أخرى لاحقة: {footnote}  طه محمد علي، أماليد، مركز إحياء التراث العربي- الطيبة، 1992.{/footnote}

وهكذا...
استغرقت
الستين سنة كاملة
حتى أدركت:
أن الماء ألذّ الأشربة
وأن الخبز من الأطعمة أشهاها
وأن لا قيمة حقيقية لأي فن
إلا إذا أدخل البهجة
إلى قلب الإنسان!
وليس من الصعوبة أن يستدل القارئ على البعد الشخصي الحاضر في هذا النصّ. وهو بُعد يتضافر مع مثيله في الأدب الفلسطيني في المنافي، كما عبّر عنه، على سبيل النمذجـة، الكاتب غسان كنفاني المولود في عكا (سنة 1936)، والذي استشهد في بيروت (سنة 1972) في انفجار سيارته المفخّخة من قبل رُسل آلة القتل الإسرائيلية، في إطار سياسة التصفيات الجسدية، التي لا تنفكّ تستهوي المؤسّسة السياسية- الأمنية الإسرائيلية إلى الوقت الحالي.
كان كنفاني مثقفاً غرامشي النزعة، أي ذلك المثقف الذي يتوئم المعركتين السياسية والثقافية. ومن المعروف أنّ بروزه كأديب توازى مع نشر روايته "رجال في الشمس" (في سنة 1963) في مناخ ثقافيّ وفكريّ عربيّ عام لم تشكّل القضية الفلسطينية فيه أكثر من "خلفية غائرة" لهموم النخب الثقافية العربية. ونجم عن ذلك استغراق نصوص هذه النخب في المفاهيم الإطلاقية، التي تجرّد الصراع مع إسرائيل من محتواه التاريخي والقومي وتختزله في تعبيرات رثائية من طراز "نكبة فلسطين" و"مأساة فلسطين". أما الأدب، الذي كتب بوحي من هذا الاستغراق، فقد تمظهر في حقل من التجريد، لا أكثر.
في مناخ كهذا كان كنفاني رائد سيرورة تنزيل الفلسطيني من التحليق في التجريد إلى أرض التحديد. وقد فعل ذلك لا بالمفهوم المباشر التنميطيّ وإنما- كما ينوّه أكثر من ناقد- بمفهوم نقل الفلسطيني من صورة البطل المبهم، الغائم الملامح، المؤسطر، إلى صورة الشخصية الأدبية التي تتحرّك ضمن حيّز من التاريخ الشخصي، السياسي والاجتماعي والنفساني، ناهيك عن التاريخ الجماعي. وهذا التاريخ الأخير تبدّى، ضمن نصّ كنفاني، في صيغة ذاكرة حافلة مركّبة أكثر من صيغة السجل الوقائعيّ التنميطي.
ولذا فلا غرو إن كان سعيه الدائب متمحورًا من حول إبداع أدبيّ يتضادّ مع الأدب المهيمن. وفي الوقت نفسه فقد اهتمّ بالثقافة التي تتغيّا ترشيد العمل السياسي والاجتماعي، وتعرض الإطار اللازم لتحفيز الوعي إزاء الواقع المحدّد، وهو الوعي المطلوب من أجل "الكفاح"، الذي يكون من شأنه أن يتجاوز شوائب التعلّق بأوهام ذلك الواقع.
كما أن كنفاني انكبّ على الدراسة الأدبية والتاريخية. وتمثّلت الغاية الرئيسة، التي ارتسمت من دراساته، بما في ذلك الدراسات التي تناولت أدب المقاومة في فلسطين المحتلة والأدب الصهيوني، في وضع الأسس لولادة الفلسطيني الجديد الواعي لأسباب النكبة في سنة 1948 والمدرك لأوضاع العالم العربي ولجوهر الآخر- الصهيوني الذي يقف في مواجهته- والباحث عن الحياة الطبيعية التي فُقدت، الحياة نفسها التي يجهد الأدب والفنّ الفلسطينيان لتصويرها على طبق من الإبداع الصافي والحادّ.   
 
 
 
בניית אתרים אפה מולטימדיה