Warning: Parameter 3 to plgContentFootnotes::onBeforeDisplayContent() expected to be a reference, value given in /home/menin/public_html/libraries/joomla/event/event.php on line 67


المؤقت كحيز للوعي والمقاومة الفلسطينييْن

لم يبق الفلسطينيون لا مبالين أمام فرض الزمن الصهيوني. ومن تجسيدات مقاومتهم لهذه الخطوة، تبنيهم سياقا زمنيا بديلا، تطور بشكل تدريجي، ولكن ليس بخط تصاعدي. كتب محمود درويش في كتابه النثري في حضرة الغياب والذي نشر قبل موته:

"ليس الحنين ذكرى، بل هو ما ينتقى من متحف الذاكرة. الحنين انتقائي كبستاني ماهر، وهو تكرار للذكرى وقد صفيت من الشوائب. وللحنين أعراض جانبية من بينها: إدمان الخيال النظر إلى الوراء، والحرج من رفع الكلفة مع الممكن، والإفراط في تحويل الحاضر إلى ماض، حتى في الحبّ.

"الحنين ندبة في القلب، وبصمة بلد على جسد. لكن لا احد يحنّ إلى جرحه، لا احد يحنّ إلى وجع أو كابوس، بل يحنّ إلى ما قبله، إلى زمن لا ألم فيه سوى ألم الملذات الأولى التي تذوّب الوقت كقطعة سكّر في فنجان شاي، إلى زمن فردوسيّ الصورة." {footnote}محمود درويش، في حضرة الغياب، دار رياض الريس 2006، ص 124.{/footnote}

تعكس هذه الأقوال المركّبة مشاعر جمعية كثيرة ومتنوعة، فيها الإحساس بالزمن المأزوم الذي يُميَز الوعي والواقع الفلسطينيين إثر إرجائهم من الزمن منذ النكبة. تعبّر أقوال درويش، أيضا، عن التمييز العميق في الوعي والخطاب الفلسطيني بين الوجود والتذكّر قبل النكبة، والوجود والتجارب ما بعدها.  وفي سياقنا، من الممكن ربط هذه الملاحظة بادعاء وولتر بنيامين المهم: "صياغة ما مضى كتاريخ لا يعني معرفته "كيفما كان بالفعل". معناه امتلاك الذاكرة كما تلمع في لحظات الخطر."{footnote}وولتر بنيامين, הרהורים (تل أبيب 1996): 312.{/footnote}

الماضي الفلسطيني، مثل أي ماض آخر، هو ثمرة قيود الحاضر. ومن هنا تنبع انتقائية الذاكرة والتي تتجسّد في الجهود الفكرية والإدراكية الكبيرة التي يستثمرها الفلسطينيون في النضال ضد إقصائهم عن التاريخ والزمن.

الذاكرة والحنين والنوستالجيا وكتابة التاريخ هي أدوات مركزية للنضال ضد الطرد من جنة عدن التاريخ- الوطن. تكمن الخاصية الفلسطينية في حقيقة أنه من غير الممكن الفصل بين مقاومة الرواية التاريخية الصهيونية وبين المقاومة اليومية من أجل الوجود الفلسطيني، والذي يتجسد في صمود كل فلسطيني وفلسطينية، ككيانات تاريخية، وفي أدائهم اليومي كفلسطينيين. ممارسة فلسطينيتهم هي أداة مركزية لمواجهة الاجتثاث من الزمن، من التاريخ والمكان، الأمر الذي لم ينته في مواجهات العام 1948، وإنما متواصل حتى يومنا هذا. فالنكبة ليست بحدث مضى وانقضى، وإنما سلسلة أحداث مُمأسِسة للوعي.

التاريخ والذاكرة الفلسطينيان وتأثيرات الصهيونية على الوجود التاريخي الفلسطيني تُشغل باحثين ومفكرين فلسطينيين، أكدوا ويؤكدون، على الأقل منذ الثمانينيات، الطريقة التي تقوم فيها الرواية الصهيونية بمحو الفلسطينيين من تاريخ فلسطين وتفرض على هويتهم جدولا زمنيا صهيونيا. كتاب ادوارد سعيد مسألة فلسطين هو الإشارة الأولى في هذا المجال.{footnote}ادوارد سعيد, مسألة فلسطين (القدس 1981){/footnote} ولكن، وكما يدعي زكريا محمد، الانشغال الفلسطيني في التاريخ الذاتي كان ظلا أو صدى للرواية الصهيونية، وبهذا أكّدها أو أعطاها الشرعية.{footnote}زكريا محمد, في قضايا الثقافة الفلسطينية (رام الله){/footnote} كذلك، منذ زمن ليس ببعيد، تمحورت الهيستوغرافيا الفلسطينية والانشغال بالهوية الفلسطينية في النخب الفلسطينية وتجاهلت الوجود اليومي للمكبوتين الفلسطينيين، والذين كانوا ولا يزالون أغلبية الشعب الفلسطيني.
 
صوت المكبوتين هذا بدأ يُسمع مؤخرا نتيجة تطور التاريخ الشفوي الفلسطيني، والذي يعتمد شهادات حيّة للاجئين ومهجرين. دمج النظرة التأريخية لتتبع تطور الوعي التاريخي والزمني لدى المكبوتين يسهم إسهاما هاما في تسليط الضوء على تعقيد النضال الفلسطيني من أجل العودة للتاريخ وللزمن وفهم الثيولوجيا الفلسطينية ومركباتها المختلفة.  وذلك لأن الاستحضار الذاتي الفلسطيني لا يُختزل في كتب التاريخ، وإنما أيضا، وبالأساس، في الصمود الفلسطيني اليومي أمام ما أطلقوا عليه تفريغ الزمن أو إرجائه بواسطة تطبيقات عملية ويومية. من المهم الإشارة إلى أنه، وبعكس السرد التأريخي والسياسي الإسرائيلي، والذي وصف الواقع الفلسطيني منذ 1948 وحتى نهاية الستينيات، كوضع "سبات"،{footnote}יהושפט הרכבי, הפלסטינים מתרדמה להתעוררות (ירושלים 1979).{/footnote} ناضل الفلسطينيون بمثابرة من أجل العودة إلى بيوتهم وقاوموا الواقع الجديد الذي فرضته وقائع العام  1948. وتجسّدت هذه الجهود في تنقّل المهجرين واللاجئين الفلسطينيين، في محاولاتهم لصد جهود إسرائيل من أجل تثبيت حالة اللجوء وفي محاولتهم العودة إلى بيوتهم أو على الأقل قريبا من بلداتهم. حالات إقرث وبرعم والغابسية وعيلبون (عيلبون، هًُجّر أهلها وعادوا إليها)  وغيرها تجسّد جهود اللاجئين والمهجرين ضد الزمن وضد سعي إسرائيل لتغيير وجه التاريخ المحلي بواسطة اقتلاع فلسطيني وبناء يهودي، اثر "استحداث" الماضي الأسطوري البعيد على حساب الحاضر المادي. لا نملك هنا متسعا للخوض في كلّ تفاصيل العودة الفلسطينية للزمن وللمكان منذ العام 1948، ولهذا، سنكتفي بوصف النضال الفلسطيني لمواجهة أسس التهجير المختلفة من وجهة نظر وجودية وإدراكية، وسنركّز على مراحل تطور الوعي للزمن وطرق التعامل مع تحدي المؤقتية أو تعليق الزمن الفلسطيني.
   
أقوال درويش التي تمّ اقتباسها آنفا تلقي الضوء على إحدى الانعكاسات المركزية للواقع الصهيوني في البلاد والتي تتجسد في تحويل حياة الفلسطينيين ككل لمُرجأة أو مؤقتة، في نظرهم هم، أيضا. هذه المؤقتية تشهد على عدم تقبل نتائج الصهيونية من جهة، ولكن على أزمة، أيضا، على عجز ويأس من جهة أخرى. جزء من عدم التقبل نفسي - غرائزي، وجزء آخر سياسي. الأزمة، العجز واليأس تعبر كلها عن التطلّع لتحقق الماضي في المستقبل أو ما يسميه كوزلاك "أفق التوقعات" الذي يبني الماضي والحاضر.{footnote}Reinhardt Koselleck, Futures Past: on the Semantics of Historical Time (Cambridge, Mass. 1985): 255-75      {/footnote} ويشتمل هذا التطلع على تناقض ينبع من البلبلة التي يزرعها في مبنى الزمن وفي ترجمته لمؤقتية مستمرة.

أكّدت دراسة الواقع الفلسطيني بعد النكبة بغالبيتها على التهجير واللجوء كمشكلة قومية. وهذا التأكيد مخلص للواقع الصعب الذي حصل جرّاء التهجير: مئات آلاف الفلسطينيين هجروا من بيوتهم ومن قراهم إلى أماكن بعيدة وتحوّلوا بين ليلة وضحاها من أناس يعيش كثيرون منهم في ظروف اجتماعية ـ اقتصادية مقبولة، إلى أناس معوزين بلا بيوت. ولكن أدبيات البحث قلّلت من التعامل مع إخراج الفلسطينيين من التاريخ ومع العلاقة بين ذلك وبين اقتلاعهم من وطنهم. فقط في العقود الأخيرة، وخاصة إثر ظهور نظريات تأريخية نقدية ونظريات سردية تفكيكية جديدة، بدأت عملية فحص من جديد للرواية الصهيونية وللتجارب الإنسانية التي حدثت جرّاء النكبة. إن توجّهات بين حقلية جديدة تُنتج روابط سردية وأدبية وسيكولوجية واجتماعية وسياسية قادرة على اقتراح صورة أكثر تكاملا للنكبة وإسقاطاتها وتعمّق فهمها. إسهام فكر ادوارد سعيد في هذا السياق أساسي، ولكن مطلوب الآن، وتتمة للموروث الذي أسسه، ربط الجانب المتنور مع الجانب الشعبوي لتجسيد صورة "حقيقية" أكثر للواقع. إن فهم تعامل الفلسطينيين مع محاولات إقصائهم عن التاريخ والزمن تستدعي التأمل العميق في تطور التاريخ والذاكرة الفلسطينيين، في تعاملهم مثلا مع مفاهيم الزمن الصهيونية المسيطرة.

اكتسبت عملية التأريخ الفلسطينية دفعا كبيرا في السنوات الأخيرة، وخاصة إثر ظهور خطاب المؤرخين الجدد في إسرائيل،{footnote}توم سيجف، الصهيونيون الجدد (القدس 2001)، أوري رام، הזמן של הפוסט: לאומיות והפוליטיקה של הידע בישראל، (تل ابيب 2006){/footnote} والذي كشف معلومات جديدة عن تكوّن وتطور الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل. تشير عملية التأريخ هذه إلى تناقضات داخلية في الرواية الصهيونية وتقترح رواية تاريخية بديلة تستأنف على صِدقية الرواية الصهيونية وترسّخ الوجود الفلسطيني في فلسطين على محور تاريخي من مئات إن لم يكن آلاف السنين. صحيح إن هذه الأبحاث لا تستطيع أن ترسخ تطوّر القومية الفلسطينية في مفهومها الحديث، ولكنها، دون شك، تشّكل محاولة ناجحة لتجسيد بطلان نظرية "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"- والتي هي من الأعمدة الأساس للأيدولوجيا والميثولوجيا والدعاية الصهيونية. يسعى البحث التاريخي والتأريخي الفلسطيني، بالاستعانة بأبحاث أثرية وتاريخية غربية نقدية، إلى تقويض فرضيات أساس مسيطرة في الرواية الصهيونية، والتي تخلق علاقة عابرة للتاريخ بين دولة إسرائيل والماضي التوراتي وتبرّر قيامها بواسطة مصطلحات العودة للوطن بعد شتات قسريّ.

مع إن الكثير من الحقائق التاريخية والتأريخية الفلسطينية والعربية تشّكل مرآة للتأريخ الصهيوني وتثبت صحة جزء من أسسها وفرضياتها، فإنها تثير نقاشا عميقا حول إخراج الفلسطينيين خارج التاريخ وإسكاتهم وتعليق زمنهم. يكمن أساس قوة عملية التأريخ الفلسطينية الجديدة في سعيها لفحص علاقة التبعية بين تبلور الهوية الفلسطينية وبين الهجرة اليهودية وتطوّر الحركة الصهيونية. تدحض بيّنات البحث التأريخي في مواضيع الهوية ادعاء التبعية بواسطة معرفة جديدة تجسّد وجود الوعي الفلسطيني العميق منذ أيام حكم محمد علي في فلسطين، أي: قبل "المحفز" الصهيوني.{footnote}Mahmud Yazbak, Haifa in the Late Ottoman Period, 1864-1914: A Muslim City in Transition (Leiden 1998){/footnote} يُثبت هذا البحث السعي الراسخ من أجل إعادة الفلسطينيين وفلسطين للتاريخ في سياقات الوعي الفكري والخطاب الأكاديمي.
 
إلى جانب الحقائق التاريخية، يزداد الاشتغال بالتاريخ الشفوي الذي يستند إلى شهادات الفلسطينيين، الذين هجروا أو أُجبروا على مغادرة بيوتهم حتى انتهاء المعارك.{footnote}ראו, למשל:Rosemary Sayigh, "Palestinian Refugees in Lebanon: Implantation, Transfer or Return?" Middle East Policy 8:1 (2001): 95-105{/footnote} تزوّدنا هذه الأبحاث بالشهادات الحيّة حول أنماط عمل قوات الدفاع الفلسطينية إبان النكبة وتدلّ بالأساس على الأزمة النفسية، والتي لا يزال يعاني منها الكثير من الفلسطينيين حتى يومنا هذا إثر فقدان المكان والبيت. من شهادات لاجئين وآخرين، يتضح إن نكبة العام 1948 فاجأت الفلسطينيين.{footnote}انظروا مثلا:Rosemary Sayigh, "Palestinian Refugees in Lebanon: Implantation, Transfer or Return?" Middle East Policy 8:1 (2001): 95-105){/footnote} رأى الكثيرون أن التحوّل الديموغرافي وفقدان البيت مصيبة لم يكن بالإمكان توقّعها. وقد أفضى وقع المفاجأة إلى فقدان الكثيرين التوازن النفسي نتيجة الضربة القاضية التي تلقتها الكينونة الأساسية لغالبية الشعب الفلسطيني، إذ أنهم في فترة قصيرة نسبيا فقدوا الشروط الأساسية لحياة إنسانية طبيعية.

ينعكس عمق الصدمة في أبحاث هيلانه شولتس ـ ليندهولم عن الشتات الفلسطيني وأبحاث جولي بتيت ولالا خليلي عن اللاجئين في لبنان، وأبحاث إيلانة فيلدمان عن اللاجئين في غزة وبحث الكاتب حول المهجرين في إسرائيل.{footnote}Helena Schultz-Lindholm, The Palestinian Diaspora: Formation of identities and Politics of Homeland (London and New York 2003); Julie Peteet, Landscape of Hope and Despair: Palestinian Refugee Camps (Philadelphia 2005); Khalili, Laleh and n/a, ”Places of Mourning and Memory: Palestinian Commemoration in the Refugee Camps of Lebanon,” Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East, 25:1 (2005): 30-45; Ilana Feldman, ”Home as a Refrain: Remembering and Living Displacement in Gaza,” History & Memory 18:2 (Fall/Winter 2006): 10-47{/footnote} تشير هذه الأبحاث وغيرها إلى مركزية الاقتلاع، فقدان البيت والمكان في وعي ونفسية المهجرين خاصة والفلسطينيين عامة، وتثبت بيّنات باحثي علم نفس المكان والاقتلاع.{footnote}انظروا مثلا: Mindy Thompson Fullilove, "Psychiatric Implications of Displacement: Contributions from the Psychology of Place," American  Journal of Psychiatry 153:12 (December 1996): 1516-1523{/footnote}
 
في آلاف المقابلات التي أجريت مع لاجئين فلسطينيين، تظهر كخيط الحرير الحنين للماضي المفقود، والذي يشك في إمكانية عودته في يوم من الأيام. يتفق هذا الأمر مع تشخيص بيتر فريتسشا والذي يقول أن النوستالجيا "تعكس ثقافة ضحايا تقترح صيغة بديلة للتاريخ كدمار شامل"{footnote}Peter Fritzsche, ”Spectres of History: On Nostalgia, Exile, and Modernity,” American Historical Review (December 2001): 1592{/footnote} الحنين إلى الماضي والألم نتيجة الفقدان كاستحضار للفلسطينية في التاريخ يُعبّر عنها منذ النكبة وحتى يومنا هذا في الأدب والفن والشعر الفلسطيني عند أدباء فلسطينيين مركزيين ينشطون في وطنهم وخارجه.{footnote}انظروا: كمال بُلاطة, استحضار المكان: دراسة في الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر (تونس 2000); اسماعيل شموط, الفن في فلسطين (الكويت 1989); Gannit Ankori, Palestinian Art (London 2006{/footnote} الشعر والأدب يستعيدان الماضي بمصطلحات سامية خضعت لتطهير عميق للزمن والذاكرة وتستثير الألم العميق الذي يدوي في وعي الفلسطينيين الذين اقتُلعوا من بيوتهم بين ليلة وضحاها ليحلموا من يومها بالتواصل من جديد مع ماضيهم المتخيّل.

كتاب إدوارد سعيد الأوتوبيوجرافي، المهجر{footnote}ادوارد سعيد، المهجر: لا شرق ولا غرب (تل ابيب 2001){/footnote} يجسّد، مثلا، عمق أزمة التهجير حتى بعد عقود كثيرة من العيش في مكان آخر، وبعد زوال الانعكاسات الاقتصادية للتهجير. يعبر إدوارد سعيد عن عمق الأزمة النفسية ليس فقط نتيجة التهجير، وإنما، أيضا، إثر التغيير الذي حصل للبيت الأصلي وانعدام القدرة ليس فقط على العودة إليه وإنما على التواصل معه من جديد بعد العودة. عن هذه الأزمة يشهد أديبان فلسطينيان معروفان آخران، مريد البرغوثي وفواز تركي،{footnote}Murid Barghuthi, I Saw Ramallah (New York 2003); Fawaz Turki, Exile's Return: The Making of a Palestinian American (New York 1994){/footnote} اللذان يوثقان عودتهما إلى الوطن إثر اتفاقية أوسلو ويصفان الانكسار النفسي الذي عاشاه لحظة التواصل المتجدد مع الوطن والمكان اللذين تغيرا من النقيض إلى النقيض. إحساس الغربة الذي يصفانه، هو إحساس مشترك لأدباء وشعراء منفيين آخرين، مثل إحسان عباس وزكريا محمد، أو كأولئك الذين بقوا في وطنهم، لكنهم عاشوا فيه كلاجئين، مثل محمد علي طه ورجا شحادة، أو كغرباء في وطنهم، مثل إميل حبيبي.

تجربة التهجير هي، دون أدنى شك، ظاهرة فلسطينية عامة عميقة، تزوّد مقاومة سياسة التجزئة الإسرائيلية بمركبّات عُمق كثيرة، وتسعى، منذ العام 1948، إلى إيجاد حلول مختلفة وغير واقعية للجماعات الفلسطينية المختلفة، في مكان سكناهم الراهن بالأساس، وبهذه الطريقة، إلى مأسسة الاختلافات بينهم. من المهم الإشارة، في هذا السياق، إلى تجربة الفقدان والغربة عند الفلسطينيين حيث هم، بما في ذلك إسرائيل، والذي ينعكس في المخيّلة الجماعية الفلسطيني المشتركة العابرة للحدود والذي تكّون إثر النكبة، وخلق مجتمع متخيّل متواصل ومستمر، على الأقل في مستوى الوعي الثقافي والتضامن السياسي.
 
سمة بارزة للاشتغال بقضية التهجير الفلسطينية في السنوات الأخيرة هو التأكيد الحصري تقريبا على المكان أو الحيز كبعد مركزي في الأزمة الوجودية الفلسطينية. فمعظم الاشتغال الفلسطيني بالتهجير تطرق- وبحق- إلى العلاقة مع المكان، البيت، الأزمة النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تطوّرت جراء التهجير. مصطلح "بيت" في اللغة العربية مشتق من الجذر "بات" والذي يعني وجد، تكون، أغفى، نام وغيرها. البيت أو، في المعنى الجماعي، الوطن هما الشاهدان الأساسيان للوجود والكينونة الإنسانية المتجسدة في إنتاج وعي حميمية البيت والعلاقة التي تنتج نفسها مع البيئة المادية نفسها، التي تصبح جزءا أساس من الوعي والإقرار. البيت ليس فقط ملجأ أو سقف للاحتماء، وإنما  هو بالأساس بيئة يسبب التعرّف إليها بحكم العادة، وفقدانه، الذي يتجسد في فقدان الوجود، يُحدث صدمات في الوعي ومخاوف وجودية كثيرة. كذلك، الكلمة المرادفة لبيت وهي "المسكن"، مشتقة من الجذر "سكن"، ومعناه توقف عن الحركة أو مات، والشيء الذي يعكس أهمية البيت كمكان يوفر السكينة في نهاية عذابات الحياة. يضمن البيت بيئة آمنة وهادئة للإنسان في نهاية المطاف، وفقدانه يوّلد مخاوف شديدة وحالات عصبية وجودية. واستعادة البيت فقط، أو على الأقل السعي إلى استعادته، يُزيل هذه المخاوف أو يُهدئها.
 
لكن التأكيد على المكان يظلل أبعادا أخرى من تجربة التهجير والتي تُذكي الشعور بالأزمة ولا طبيعية الواقع الفلسطيني، ويتحول إلى تشخيص مضمر بين تجربة الفقدان عند اللاجئين والمهجرين وتلك عند الفلسطينيين الذين بقوا في بيوتهم بعد النكبة أو بعد حرب العام 1967. الفروقات بين تجارب هذه المجموعات مهمة جدا، ولكن لا يبرر ذلك تجاهل أبعاد أخرى في الوجود الفلسطيني والتي تجسّر على هذا الاختلاف نتيجة تحويل الوطن إلى منفى ونتيجة إخراج كلّ الفلسطينيين من التاريخ والزمن.

كما أن الفلسطينيين الذين يعيشون في وطنهم يعيشون، أيضا، مشاعر النفي عن المكان والزمان بشكل يومي والغربة في وطنهم. واحدة هي التجربة العينية التي عاشها الفلسطينيون اثر النكبة، تجربة الزمن المُرجأ هي تجربة مشتركة للجميع، الحياة على هامش الانتظار دون أن يكون لديهم سيطرة عليها، والوجود في وضع خال من استقرار طبيعي. جميع المجتمعات الفلسطينية أينما كانت، وبصرف النظر عن جودة حياتها، تواجه أزمة وتحدي الزمن المُفرغ أو المُرجأ وتعيش حالة انتظار. عند جميعها تتأجّج مشاعر المؤقتية وانتظار التغيير للأفضل في المستقبل الذي من المفروض أن يقلب الواقع الحالي رأسا على عقب. هذه المؤقتية تتجسّد في إبداعات أدباء وفنانين فلسطينيين ممن يتابعون بنشاط تجربة الفقدان والاغتراب وتحديات المؤقت في كلّ أماكن تواجدهم.

إن المجتمعات الفلسطينية جميعها، محتارة بين رغبتها في تطبيع حياتها وحياة الأجيال اللاحقة وبين الرغبة في عدم تثبيت وضعها الحالي، خوفا من أن يكون ذلك تنازلا عن وضع الانتماء الأصلي.

تجربة الزمن المعلّق هي تجربة وجودية مأزومة وتعني عدم القدرة على السيطرة على الزمن، وانعدام القدرة على الحضور فيه، في حين أن تطبيعه يتنافى مع الوجود الطبيعي الأصلي. يقوم ادعائي هذا على النظرية القائلة أن بني البشر يعيشون ليس فقط في الزمن، وإنما يعيشون الزمن، أيضا. حقيقة وجودهم هي الزمن ولهذا فإن عدم تحقيق الذات كزمن يوّلد أزمة تتجلّى في الشعور بإرجائهم خارج الزمن أو إقصائهم عن جريانه الطبيعي. الفجوة التي بدأت بالتكوّن بين الواقع الذي عاش فيه الفلسطينيون الزمن وبين حياتهم في زمن مُستَقطَع، لا يسيطرون عليه وغريب عن وجودهم، تصبح جزءً من التجربة الوجودية لكلّ فلسطيني، بمن فيهم الذين بقوا في بيوتهم، أيضا، حيث انقطع وجودهم في المكان عن الوجود في زمنهم.

من وجهة نظر غالبية الفلسطينيين، خلق تقطيع أوصال الواقع الفلسطيني الذي كان في الوطن حتى العام 1948 واقعا وجوديا جديدا، مؤقتا، أصبحوا في إطاره مؤجلين من الزمن ولا يعيشونه. ولهذا، فالوجود الفلسطيني، منذ النكبة، مبنيّ على السعيّ المضمر للعودة إلى وضعية الوجود ّالطبيعي"، "الأصيل"، كما أن التغلب على فقدان وصلات الزمن المختلفة والعودة إلى انسجام الزمن التعبيريّ. وجود أزمنة أخرى في الوقت ذاته، إلى جانب المؤقتية المشتركة للجميع، يوّلد عند الفلسطينيين ظواهر مركبة تنعكس في تجسيدات أو مشاعر مختلفة تشكّل حالة طوارئ تتعلق بحلّ المشكلة الفلسطينية أو بمعنى الحياة الطبيعية. يتجسد الأمر في المفاهيم التي تسعى إلى إيجاد حلّ للمشكلة الفلسطينية بشكل طارئ على ضوء التقويض المستمر لأسس وجودهم في المكان والزمان، مقابل مفاهيم ترى أن الزمن يعمل في صالح الفلسطينيين ويقوض تحقيق هدف الصهيونية المركزي - قيام كيان سياسيّ يهودي خال من الفلسطينيين. وحسب رأيهم، فان استمرار الوجود الفلسطيني يجتث الصهيونية من أساسها ويلزم تعليق أي اتفاقية معها.
 
من السمات البارزة لتطور الوعي الفلسطيني إثر النكبة، وخاصة بعد العام 1967، هو السعي من أجل مَعْيَرة الزمن الفلسطيني من جديد ومواءمة الوجود الفلسطيني رغم الواقع الديموغرافي ـ الجغرافي المتشرذم. السيطرة على استمرارية الزمن ونفاذه وتسلسله وتقسيمه بات أحد أهداف النضال القومي الفلسطيني الأساسية. هذا السعي هو جزء من رحلة المقاومة للسيطرة الصهيونية/الإسرائيلية على الزمن الفلسطيني. بداية هذه السيرورة المركبة كانت مع تطور إدراك معنى الفقدان فورا حصول النكبة وترسيخ هذا الوعي كمركّب أساس في الكيان الوجودي الفلسطيني وفي الحضور الفلسطيني الذي يطمح إلى استحضار نفسه في الوجود التاريخي والإنساني والقومي. السعي وراء الاستحضار يعكس أهمية مفهوم الزمن الفلسطيني كبُعد وجودي يضع الزمن الصهيوني ضمن علامة استفهام، ويسعى رويدا رويدا من أجل التحرّر من التبعية له. الاستحضار الذاتي في الزمن غير ممكن دون الحفاظ على المؤقتية الوجودية كمركب أساس في النضال من أجل استعادة التاريخ والزمن القوميين في الوطن المفقود. وهكذا يصبح الحاضر الفلسطيني ـ أسير الماضي الفلسطيني، وأحداث العام 1948- نكبة مستمرة: من أجل مواجهة النكبة، يصبح الحاضر الفلسطيني مؤقتا. المؤقتية هي سِمة إدراكية أخذت بالتطور متصلةً بالعلاقة بين الظروف المادية للوجود من جهة، واستمرار تجربة التهجير وتعميقها، من جهة أخرى. المؤقتية الفلسطينية إذن، تتطور كتجربة وجودية عُصابية، ولكن في الوقت ذاته كمصدر للطاقة الثورية، التي تغذّي التحشيد الشعبي وروح التضحية والصمود الجمعي.

مؤقتية مؤقتة
لم يدرك الفلسطينيون في البداية النكبة بوصفها كذلك. الكثير من المهجرين اعتقدوا إن هذا التهجير هو مؤقت حتى تهدأ الأمور. الإدراك أن الأمر بشأن مؤقتية خفّف من وطأة التهجير على آلاف الفلسطينيين ومكنهم من التعامل مع الصراع الإدراكي الذي ولّد فارق آخذ بالازدياد بين شعور بالتواجد في البيت وبين الوضع الوجودي للجوء. هذا ما يشهد عليه لاجئون يعيشون، اليوم، في لبنان والضفة الغربية وغزة، ولاجئون في الداخل يعيشون على مقربة من بيوتهم الأصلية وكذلك فلسطينيون بقوا في بيوتهم.

عامل المؤقتية عمل كمنظومة تجسير على الفارق بين التطلّع الطبيعي للبقاء في البيت وبين مفاجأة التهجير والمعاناة. في هذا المفهوم، كان الشعور بالمؤقتية، حتى وإن كان معناها فقدان السيطرة على النظام الزمني، عامل "بناء" في وعي المهجرين واللاجئين، الذين لم يتمكنوا من التسليم بفقدان البيت بشكل فوري وتعّلقوا بالأمل الموجود بالمؤقتية. في هذا السياق، يبرز التوقع كمركب أساس في مفهوم الزمن لدى الإنسان والرغبة في التجسير على الفارق بين "أفق التطلّعات" و"حيز التجربة"، كما يصف ذلك كوزلاك.{footnote}انظر المصدر السلبق، ص 22.{/footnote} مع أن التطلّع استبدل بالحنين، ولكنه لا يزال موجودا كعامل أساس في الوجود الفلسطيني حتى اليوم، وخاصة بين صفوف الذين لا يزالون يعيشون في واقع وجودي لا يمكن احتماله في مخيمات اللاجئين، حيث "المؤقتية" والانحراف عن النظام "الطبيعي" للوجود الإنساني من المؤشرات الدالّة على وجودهم. الحنين إلى الماضي هي محاولة للتجسير على فوارق الزمن والتغلب على الشعور بالفقدان، وكذلك طريقة إحلال الماضي في الحاضر من أجل التغلب على ألم الفقدان الموجود في أساس الوعي، غير الواعي حتى الآن، لأن الماضي لن يعود كما كان.
 
حدّدت "المؤقتية" أنماط تصرف الفلسطينيين في أماكن وشروط سكناهم الجديدة بعد النكبة. كون المؤقتية مركبا إدراكيا وجوديا مركزيا، كذلك هو البحث عن حلول لأزمة التهجير، مؤقت هو. الكثير من الفلسطينيين الذين بقوا في اسرائيل سعوا وراء حلول مؤقتة. فقد بحثوا عن ملجأ مؤقت، ولم يعتبروا إيجاد الملاذ حلا دائما، واعتبروا أنفسهم ضيوفا مؤقتين عند فلسطينيين آخرين أو قاموا ببناء مواقع سكن مؤقتة في أماكن بعيدة. كذلك "مضيفوهم" في قرى الجليل والضفة الغربية أو في غزة، رأوا بذلك خطوة مؤقتة ريثما يتوفّر لها حلّ. لم تقترح المؤقتية حلا للأزمة الوجودية، ولكن من شهادات كثيرة للاجئي الخارج والداخل، نرى أن رؤية الوضع الحالي كمؤقت ساعدتهم على الاستمرار في البقاء على أمل أن يحصل شيء وأن تتغيّر الأمور.
 
وعي المؤقتية أصبح منظومة دفاع سيكولوجية قوية مكنت من استمرار استدامة الوعي. يشك في أن الفلسطينيين الذين فقدوا بيوتهم بين ليلة وضحاها، وعلى نحو مفاجئ، كانوا سينجحون لولا منظومة المؤقتية، في التعامل مع وضعهم الصعب. وكان هناك، أصلا، مَن انهار جسديا ونفسيا نتيجة الهزيمة والإذلال والتهجير والعجز. في هذه المرحلة، وفّرت المؤقتية إذن، منظومة بناءة للتغلّب على الزلزال الوجودي الذي هزّ أركان الوجود الأساسي لمئات آلاف الفلسطينيين. تتجسّد هذه المؤقتية في أدب وفن اللجوء والتهجير المزدهر عند أدباء وفنانين مثل كنفاني وحبيبي وجبرا وخليفة وعلي طه وإسماعيل شّموط وسليمان منصور وتيسير بركات ونبيل عناني وعبد عابدي وابراهيم نوباني وأسامه سعيد وأسد عزي وعاصم أبو شقرا وغيرهم.


مؤقتية متواصلة

عندما يتضح أن مؤقتية التهجير مفتوحة وأن نهايتها غير مرئية، يبدأ توجّه المؤقتية المتواصلة بالتطور عند فلسطينيين كثر. في هذه المرحلة تتعمق الأزمة الوجودية الفلسطينية وتكتسي طابعا جديدا. عندما يتضح أن المؤقتية التي تجسّر على الصراع الوجودي هي مؤقتية غير مؤقتة، يصير الانتظار والترقّب مكوّنا أساسيا ومستداما للوعي الوجودي الفلسطيني. تلقي نتائج الأبحاث التي تناولت الحواجز الضوء على معاني الانتظار في ظروف اقتصادية ووجودية لا إنسانية في ظلّ الضغوطات وتحت المراقبة والقمع السياسي الدائمين. يصير الانتظار المرافق الدائم للفلسطيني ويحدّد أنماط السلوك التي تعكس الوجود غير العادي، وفقط العودة إلى الماضي، الذي من المفروض أن يصبح مستقبلا، تُفهم على أنها ضمانة للطبيعي.

للانتظار اللانهائي انعكاسان هامان على الواقع الفلسطيني: أ. شعور مأزوم عميق، متمثل، مثلا، في رجال في الشمس لغسان كنفاني. يعكس هذا الإحساس نوعا من تقبّل للواقع والوضع الوجودي الذي نتج إثر الفقدان. وتصبح الفروقات العميقة في العلاقة مع المكان منظومة تميّز بين الفلسطينيين، كذلك في كلّ ما يتعلق بقضية الانتظار. اللاجئون خارج الوطن ممنوعون من اعتماد وسائل عنيفة من أجل التغلب على أزمة الانتظار، ولكن، الفلسطينيين في الوطن، أيضا، يخضعون لسلطة قمعية تمنعهم من كل محاولة للمعارضة حتى لو كان مجرّد التعبير عن إحباطاتهم النفسية والوجودية، فحسب. ب. تكّون وعي فلسطيني مشترك رغم الفروقات في المكان أو ربما بسببها. فالعلاقة بين المكان أو حيز العيش الجديد بعد النكبة يُدفع إلى الهامش، فتحلّ بدله تجربة التهجير والفقدان واللجوء كمصادر الوعي المركزية. تشير هذه السيرورة إلى تحّول الوطن المشترك من مستوى المكان إلى مستوى الحيّز. ويخضع حيّز الوطن إلى سيرورة "تنقية"، تعكس النضال من أجل "إنقاذ الزمن من سيطرة الآنية" وتحويل الوطن إلى "أسطورة" مشتركة تعبر حدود الزمن الفوري. مراسيم يوم الأرض، التي تقوم بها كل المجتمعات الفلسطينية في ألـ 30 من آذار كل ّعام، في الوطن وخارجه، هي إحدى الأدلّة على توحيد الزمن الفلسطيني المؤجّل والتمسك بالمؤقتية المؤقتة التي تنفي التطبيع الكامل للمؤقتية المتواصلة.
 
الانتظار الطويل وترقّب حدوث شيء يُصبحان من مميزات عابرة للحدود عند الفلسطينيين. تصبح المؤقتية المتواصلة مركبا إدراكيا أساسيا في تجربتهم الوجودية. ولكن استمرارية المؤقتية المؤقتة تؤجل الطبيعية الوجودية ولهذا، يتكون وعي جديد يدمج المؤقتية والطبيعية، ليس كمتناقضين يُمكن أن يقوّضا التوازن النفسي، وإنما كسمات يُمكن الدمج بينها في توليفة خاصة. ونتحدّث هنا، عن سيرورة مستمرة، يُمكن أن نطلق عليها أسم تكون وعي جديد للطبيعية المؤقتة. بكلمات أخرى، تتبدل المؤقتية كفعل لا طبيعي بالطبيعي، وكشيء مؤقت سينتهي مع العودة إلى الوطن. تحوّل الطبيعية المؤقتة الوطن إلى فانتازيا أو "فردوس" مفقود يستحق كل تضحية في سبيل استرجاعه، بما في ذلك التضحية بالحياة ذاتها. بكلمات محمود درويش،" ولد الوطن في المنفى. ولد الفردوس من جحيم الغياب".{footnote}درويش، في حضرة الغياب: 141{/footnote}

وعي الطبيعية المؤقتة يتجسد بكلّ وضوح في العملياتية الفلسطينية. هنا، أيضا، نستطيع التحدث عن اختلافات حيّزية: مكان وشروط السكن. من المعروف، أن جميع المجتمعات الفلسطينية، دون علاقة لمكان السكن، تطلعوا إلى تطبيع حياتهم كمؤقتة. كان لهذه الطبيعية وجهان: من جهة واحدة، استعادة الحياة الطبيعية للفترة التي سبقت النكبة عن طريق البناء من جديد للقرى والحارات المفقودة في مخيمات اللاجئين تحت أسمائها السابقة. بلغة أخرى، تقليد الأصل أصبح نمطا تمثيليا أساسيا لدى المجتمعات الفلسطينية المختلفة. من جهة أخرى، كان تطبيع الحياة مشروطا في مؤقتيتها لكي لا يتم إلغاء مصدر الحياة الطبيعي. وأصبحت الرغبة العميقة للطبيعية في وجودية حياة القرية أو الحارة مع جيران معينين مصدر إلهام لتصريف الأمور. يعبّر لاجئون من أماكن مختلفة عن رغبتهم القوية في استعادة أنماط الوجود الأصلية في مكان سكناهم الجديد، ولكن دون تغيير الأصلي بالتقليد. أي، عبّر الفلسطينيون عن معارضة عميقة وأساسية لإرجاء زمنهم، وبعد أن اتضح إن أزمة المؤقتية مستمرة، بدأوا بالتعبير عن معارضتهم لطريق إعادة بناء الأصلي كطبيعية مؤقتة. هذا لا يعني أنهم نجحوا في ذلك في كل مكان بنفس القدر من النجاح. ولكن الرغبة في الطبيعية، كذوات تسيطر على زمنها، دون شك، تميّز المجتمعات الفلسطينية المختلفة، توحّدها وتحفظ قدرتها على رؤية نفسها كمجموعة لا تتقاسم نفس الماضي في فلسطين فقط وإنما تتقاسم، أيضا، حاضرا مؤقتا ومستقبلا منظورا. تنعكس هذه الجهود، كذلك، في المسيرات التي تحدث في يوم النكبة للقرى الأصلية، التي دمّرتها السلطات الإسرائيلية.

المؤقتية الطبيعية

يقع تطبيع المؤقتية في المرحلة الثالثة من تطور الوعي للزمن الفلسطيني والنضال من أجل إرجاء الزمن. في هذه المرحلة لا تكون جزء لا يتجزأ من الكينونة الوجودية فقط، وإنما بالأساس شرط لاستمرارية الوجود كذات تاريخية. الفلسطينيون، اللاجئون والمهجرون منهم على وجه التحديد، موجودون كذوات طالما أن وجودهم مؤقت. تطبيع وجودهم في أماكن سكناهم يصبح تهديدا وجوديا، كونه يفرّغ مطالبهم من الشرعية كوجود ناتج عن النكبة وكذوات تاريخية وسياسية مستقلّة تحمل حقوقا تاريخية ينبغي تحقيقها في الواقع. على ضوء هذا، فإن الإحساس بأن كل شيء مؤقت يزداد قوة ويجب أن يبقى كذلك حتى إعادة الزمن الماضي إلى الحاضر والمستقبل. نتيجة لذلك، تصبح السيولة في أنظمة الزمن واختفاء أطر الزمن الصلبة المبنية على اختلافات واضحة بين الماضي والحاضر والمستقبل خاصية عميقة عند فلسطينيين كثر. في وصفه حالة التّنقل والمؤقتية في إيجاد حلول وجودية، يعّرف مريد برغوثي المؤقتية الثابتة على أنها إحدى الميزات التي تميّز حياة الفلسطينيين.{footnote}Barghouti, I Saw Ramallah: 92{/footnote} رغم أن المؤقتية الثابتة تشكل مشكلة أو عائقا وجوديا، إلا أنها تحمل في طياتها إمكانية ثورية لاستعادة الماضي في المستقبل والتغلب على حواجز العودة للتاريخ.

تتجلى الطاقة الثورية للمؤقتية في أقوال ادوارد سعيد الرائدة عن المنفى كمصدر للقوة الهائلة وحيّز وجود "طبيعي". كينونة المنفى تتشكل في الوعي كميزة للوجود لا تدلّ على نقص. يمنح المنفى فرصة للتعرف على قيمة الوطن وجماله. في زمن العولمة التي تمرّ فيه علاقة الزمكانية بتغييرات لا تُحصى، في زمن يصبح فيه انتقال الناس من مكان إلى آخر  ظاهرة واسعة، في زمن يصبح فيه الوطن منفى، أيضا، وتصير المؤقتية مصدرا للإلهام والقوة بالنسبة لسعيد، وبالنسبة لأب وعي الوجود الفلسطيني، محمود درويش.{footnote}سعيد، مهجر: درويش، في حضرة الغياب.{/footnote} التوطّن في الزمن "الثابت" يصبح متاهة لا يمكن تحقيقها، ليس فقط بسبب مؤقتية المؤقت، وإنما بسبب تحويلها إلى مألوف وعادي. يجسد  محمود درويش هذه المرحلة في الوعي الفلسطيني بالطريقة الأعمق والأمثل حينما يتطرق في كتابه في حضرة الغياب إلى الخطر الذي يهدد الحاضر متمثلا في هجوم الماضي، والخطر الذي يهدد الماضي متمثلا في وهم الحاضر. يفكر في الهوية الذاتية والعلاقة بين الذاكرة والزمن، حين يسأل "هل أنت ما كنت أم ما أنت عليه الآن؟"{footnote}درويش، المصدر نفسه:154{/footnote} تنسف أقواله هذه منظومات المصطلحات الثنائية مؤقتية - ثبات، وطن- منفى، استمرارية- انقطاع، سرعة- بُطء، دينامية- ثبات وما إلى ذلك.

يضع سعيد أفقا مؤقتا مناقضا لإطار الزمن المنغلق عند رجال في الشمس ويقترح عبور حدود الهوية القومية الصلبة والمنغلقة إلى مساحات وعي سائلة، تفسح مجالا للاعتراف الكامل بالآخر والتصالح معه. هذا الاعتراف يعتبر سيولة الزمن مصدرا للقوة والإلهام اللذين يقوضان عملية الإخراج من التاريخ وتفريغ الزمن وتأجيله. أي، بحسب اعتقاده، تخدم مشاعر الفقدان، التهميش والإقصاء الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل، بينما التحرر منها فقط يحوّل الضعف إلى قوة ويجعل الخروج من العبودية إلى الحرية ممكنا. الشعوب الحرة هي الشعوب التي تتمكن من التغلب على الفقدان والغضب والرغبة في الانتقام، وتتمكن من عبور حدود النوستالجيا والصعود إلى قطار الزمن والتاريخ مجددا كمسافرين أحرار وشرعيين. يقترح سعيد للهويات التي تتعلّق بحبال الزمن عالما جديدا من المصطلحات مبني على فضاءات وجودية مشتركة تعترف بالاختلاف كمؤشر دال على الواقع. ففي رأيه، يمنح التهجير واللجوء العالميان المؤقتية الفلسطينية المستمرة معاني جديدة، وتفتح أفقا للمصالحة ليس فقط مع الهوية الذاتية الجديدة، بل مع المسؤولين عن فقدان الحياة الطبيعية وعن طرد الفلسطينيين من التاريخ والوطن والزمن.

الكثير من الفلسطينيين في إسرائيل، المهجرون منهم على وجه التحديد، ذوّتوا مخاطر كمائن الزمن التي وضعتها الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل في صورة انتظار إيجاد حلّ لازمة التهجير والنفي. كثيرون طبّعوا زمنهم بواسطة عبور حدود النكبة وقيودها، ولكن لم يتنازلوا عن مطلب تلقي ثمن نتائجها. في هذا السياق من الممكن الادعاء أن مصطلح المؤقتية يمّر بتحويل من وعي ينبعث من شروط وجودية لا إنسانية في مناطق التهجير، إلى وعي ينبثق من إحياء الذكرى والتذكّر كأداة إدراكية تمّكن من الرّد بحرب شعواء. تفسح المؤقتية الطبيعية المجال لحدوث مصالحة مع احتياجات الحياة الفورية دون التنازل عن حقوق ومطالب الماضي. لا يفقد الماضي من قيمته وقوته من جراء التنازل عن استمرارية وجوده في الواقع المادي. انه مستحضر بشكل مستمر في الخيال الجمعي وأكثر من ذلك: إنه يزيد قوة من جراء تحويله إلى نوستالجي. من هنا فان الحنين إلى الماضي يتحول إلى عامل إدراكي يحرّك المستقبل دون الاستمرار بدفع ثمن الماضي نفسه. إنها مرحلة في تطور الوعي الفلسطيني لم تحظ بالشرعية الكاملة حتى الآن، ولم يتمّ التعبير عنها سوى بكلمات محمود درويش الشعرية أو الفنون المرئية التي تنجح في التحرر من قيود المحسوس وفورية التهجير والمنفى والتفكير في ميتافيزيقية الوجود الإنساني عامة، والفلسطيني خاصة. لا يعكس الأدب والفن الفلسطينيان تطبيع المؤقتية، وإنما يعيدان صياغتها ويقومان ببناء وعي متجذر عميقا في ألم التهجير، ولكنها تنجح بالتحليق فوق كينونتها الحسيّة والنظر بعين فاحصة في معارج عبور حدودها.

تلخيص:
يجسّد كتاب كنفاني الذي نشر عام 1963 حالة اليأس التي أحاقت بالفلسطينيين المحجوزين في شروط حياتية بشعة، ويعتمدون على قوى خارجية لإنقاذهم وإعادة ّالفردوس المفقود" لهم. فهمت الرواية على أنها ترمز إلى تراجيدية إضاعة الطريق في المنفى وتجسيد الوعي التاريخي الراسخ لدى غالبية الشعب الفلسطيني. تعتبر رسالة الرواية، وفق هذه الرواية، دعوة ثورية من أجل تغيير الوضع الفلسطيني والعربي، ومن هنا المفهوم الطلائعي لهذه الرواية بالنسبة لفلسطينيين وعرب كثيرين حتى يومنا هذا. ولكن الرواية تبقى أسيرة مصطلحات الواقع في تلك الفترة، وبالأساس تجسّد انعكاسا لصورة ما حاولت الصهيونية خلقها عند الفلسطينيين. تعكس القصة حالة يأس من الواقع وتدعو للتجند من أجل تغييرها دون الإشارة إلى الطريقة إلى ذلك. رواياته اللاحقة، مثل ما تبقى لكم أو عائد إلى حيفا،{footnote}كنفاني، ما تبقى لكم، رجال في الشمس: 87-141، غسان كنفاني، عائد الى حيفا، الغرف الاخرى: ثلاث روايات (اور يهودا 2001){/footnote} تشير إلى الطريقة. إنها تشير إلى انضفار بين الشعبين اليهودي والفلسطيني وإلى تراجيدية المنفى التي تدفع كل واحد منهما إلى السعي إلى الطبيعي بواسطة تهجير الآخر. ينجح كنفاني إذن، باختراق الحدود، من خلال الإشارة إلى التراجيدية الكامنة في مفاهيم الزمن القومية التصاعدية وتأسيس خطاب عابر للهويات.

هذه، أيضا، طريقة درويش وسعيد ومُبدعين فلسطينيين كثر يواجهون إخراج الفلسطينيين من التاريخ وتفريغ زمنهم وتعليقه. لا تحذو طريقتهم حذو الرواية التاريخية أو الهويتية الصهيونية، وإنما تشّق فضاءات الزمن القومي وأطر التفكير المؤقتة الحديثة نحو فضاءات أكثر سموا. إنهم يوضّحون للفلسطينيين ولليهود أن الإصرار على العودة إلى التاريخ وفق المصطلحات الحديثة تعني استمرارية التراجيديا المشتركة. ويقترحون من دون تجاهل آثام الماضي وغبن الحاضر، التغلب على النرجسية الزمنية القومية، التي تسعى إلى الخلود من خلال تفريغ زمن الآخر أو تعليقه. إنهم يجسّدون بإبداعهم الادعاء أن تخليد الذات يستدعي التنازل عن الحصرية، عن التقوقع وعن القهر ويدعون إلى ضرورة تأمل ذاتي أكثر عمقا، بهدف تخليص الذات من قيود السعي غير الواعي من أجل تخليد الكينونة، وإدراك المؤقتية كمصدر قوة وليس كأداة قهر تستعمل من أجل إرجاء الآخر واستحضار الذاتية. فهْم الزمن كمؤقتية تتحول إلى صيغة للمصالحة، تتيح عيشا متبادلا وليس حصريا وفق معادلة الرابط الهام القائم بين التاريخ والزمن والوطن.
 
בניית אתרים אפה מולטימדיה