Warning: Parameter 3 to plgContentFootnotes::onBeforeDisplayContent() expected to be a reference, value given in /home/menin/public_html/libraries/joomla/event/event.php on line 67
Array طباعة Array

الصراع على الزمن وقوة "المؤقت":
اليهود والفلسطينيون في متاهة التاريخ

أمل جمال ـ جامعة تل أبيب


في قصته رجال في الشمس،{footnote}غسان كنفاني، "رجال في الشمس"، رجال في الشمس (القدس 1980): 15-86.{/footnote} يعرض غسان كنفاني مرحلة تاريخية في الواقع الفلسطيني الصعب بعد النكبة، ويؤكّد العجز التراجيدي للفلسطينيين في ضوء الطريق المسدود التي دخلوها. كثيرة هي التفسيرات التي أعطيت للقصة في الأدبيات المهنية وبالتحديد، لنهايتها المأساوية ـ موت الفلسطينيين الثلاثة، الذين يمثلون ثلاثة أجيال اجتماعية يسعون إلى الوصول عبر طرق ضالة إلى إحدى أمارات النفط الخليجية للعمل هناك والتخلص من الضائقة التي أصابت غالبية الفلسطينيين بعد النكبة. رجال في الشمس كانت ولا تزال من الأركان الأساسية لبناء الهوية الفلسطينية ما بعد نكبة العام 1948 ونكسة العام 1967.

إلا أن الأدبيات البحثية المتشعّبة حول القصة لا تكرّس ما يكفي من اهتمام لإسهامها في تعريف خصائص الزمن الفلسطيني وسعيها إلى إحداث تغيير كوسمولوجي، ليس في الواقع الاجتماعي الفلسطيني فحسب، بل في منظومة العلاقات بين الفلسطينيين والتاريخ، أيضا. فالكتاب يعكس وعيا مؤقتيًّا عميقا يرفض التسليم بالواقع ويسعى إلى المناورة بالزمن واختراق إطاره المسدود الناتج عن نكبة العام 1948. بطل القصة، "أبو خيزران"، الذي يمثل الشعب الفلسطيني برمته، فقد بعد النكبة خصوبته، الرمز الأساس لذكورته وإنسانيته.  فالشكل الذي يقود فيه الأبطال الآخرين إلى موتهم يرمز إلى عدم قدرته على الفعل في الواقع كذات تاريخية "طبيعية". عجزه التاريخي يُفضي به وبالمسافرين معه إلى طريق مسدودة وإلى مستقبل يحفّ به الموت. من هنا فإنه يُمكن أن نرى في قصة كنفاني إشارة أولى لوعي الفلسطينيين للثمن الذي يسجله إخراجهم من إطار الزمن الحديث المفتوح ورميهم في إطار زمني يعدم الأفق المستقبلي، معلّق لصالح إطار زمني بديل يحرمهم من بيتهم وأرضهم ومن التحكم بزمنهم.

رجال في الشمس – ليس أنه يرمز فقط إلى إقصاء الفلسطينيين عن إطار الزمن المفتوح المتطور وتركه تحت رحمة الموت؛ بل هو دعوة مدوّية لاستعادة السيطرة على الزمن وتحويل هذه السيطرة إلى محرّك للبناء الذاتي المتجدد للهوية الفلسطينية كشرط تمهيدي لعودتهم إلى الوطن الذي طُردوا منه. ومن هنا فإن القصة تؤشر على الابتعاد عن فلسطين والخروج إلى دول النفط على أنهما إدارة ظهر للنضال الحقيقي، وهو: السعي ضد الإقصاء من التاريخ والسعي للعودة إليه وإلى الوطن المفقود.


كان كنفاني من المبشرين بنظرية "الحياة المستباحة" (الحياة التي تكون عُرضة للانتهاك من قوة خارجية)، كما تتجسّد في هشاشة الحياة الفلسطينية وكونها ريشة في مهبّ الريح. فقصته هذه تعرض صورة وضع رمزية للواقع الفلسطيني الذي يتمّ تشخيصه على أنه موت سريري وثقافي، طالما أنه يخضع لشروط الوجود الذاتية في الوضع الذي نشأ بعد العام 1948، وتشير إلى الواقع المخصيّ للشعب الفلسطيني طالما أنه لم يُفلح في اختراق حدود الوقت، وأن يفتح نافذة لمستقبل جديد ممكن فقط من خلال تغيير شروط الواقع.

يخرج كنفاني ضد الحاضر، ويسعى إلى الربط من جديد بين الماضي والمستقبل الفلسطينيين. فهو يعارض حالة رَوْتَنة وعي الزمن في الفكر الفلسطيني بعد النكبة، ويسعى إلى بناء وعي جديد للزمن يجسّر بين الماضي والمستقبل من خلال التنكّر لـلآنية. وهكذا شيّد كنفاني أساسا هاما لمفكرين فلسطينيين ساروا في أعقابه وطوروا مفاهيمه وصولا إلى عبور حدود الزمن التاريخي المهيمن وفتح آفاق زمنية جارية توفر مصدر قوة وتحرير من التبعية للمصطلحات الأساسية للصهيونية العملية.

يُخيّل إذن، أن قصة كنفاني هي نقطة انطلاق ممتازة لنقاش معمّق في تطور وعي الزمن الفلسطيني كنظرية مضادة لإطار الزمن الصهيوني الذي يُفرغ الفلسطينيين من زمنهم، ويسعى إلى رميهم خارج التاريخ أو تأخير تطورهم الزمني بهدف تطوير ذاته. ولتوضيح هذا المحور، سنتوقف بدايةً على أهمية الوعي المؤقت لبناء الوعي القومي. سنوضح، كذلك، الفروق بين أنواع مختلفة من وعي الزمن، كأطر مفاهيمية تبرر هذا الواقع السياسي أو ذاك. وعي الزمن هو العامل الأساس في الوعي القومي، ومن هنا ـ فإنه أحد المستويات الأساسية للصراعات القومية. فالصراع بين الصهيونية والقومية الفلسطينية هو، أيضا، صراع زمني يتجسّد في محاولات فرض إطار زمني بدل إطار آخر على الحيّز الجغرافي والإنساني في حدود ما يراه الطرفان على إنه وطنهم التاريخي.

ونبدأ بمراجعة الموقع الأساس الذي يحتله الزمن في التجربة الإنسانية، ونقترح فهمين مختلفين لمصطلح الزمن واستثمارهما في دفع هذا الوعي أو ذاك لتبرير هذا الواقع أو ذاك. التوجّه الأول يرى في السيطرة على الزمن تعبيرا أساسيا للسلوك الإنساني، والسعي إلى التواجد ضمن الزمن، خلافا للشعور بتعليقه أو إفراغه، أحد أبعاد الوجود الإنساني. يجزم مارتن هايدجر على أن الوجود المؤقت في تجربته، يُشكّل السعي الدائم إلى استحضار الأنا في الزمن أحد أشكال التعبير عن الوجود الإنساني.{footnote}Martin Heidegger, Sein und Zeit (Tübingen 1963).{/footnote} كثير من السوسيولجيين يترجمون ذلك إلى السعي لمأسسة الزمن وتحويله إلى مؤسسة اجتماعية.

التوجّه الآخر ينبع من رؤية صراعية للوجود الإنساني ويتمحور على صراعات تخوضها مجموعات اجتماعية مختلفة على إطار الزمن المهيمن. وبموجبها، فإن فهم التاريخ ووحدات الزمن والموقع في الزمن والسيطرة عليه، هي محصّلة صراع ـ قومي بالأساس ـ متواصل بين مجموعات اجتماعية مختلفة.{footnote}كذلك، من المعروف أهمية السعي للعودة إلى واقع حياة يومي  كإشارة لأن يكون الإنسان ذا معنى ولتستطيع مجموعات اجتماعية حفر موقع لأنفسها في الزمن، في توبوغرافيا الزمن في بيئتها. أنظروا: Peter Berger and Thomas Luckmann, The Social Construction of Reality (New York 1967){/footnote} سنستعمل مصطلحات هايدجر عن إفراغ الزمن وتعليقه للإشارة إلى الصراع حول الزمن المناسب لتطوّر تاريخي أو مكان جغرافي محدّدين.

ومن هنا ننتقل إلى فهم الزمن الصهيوني ـ الإسرائيلي وسعيه إلى البناء الذاتي في الزمن، أو بلغة باحثي الصهيونية إلى "العودة للتاريخ"، بعد إفراغ الزمن الفلسطيني وتعليقه والسيطرة عليه. فالصهيونية التي رأت في نفسها حركة قومية حديثة ذات وعي ثقافي حديث للزمن، ألغت الزمن الفلسطيني على أنه خال من المضمون، ومن هنا اعتقادها أنه بالإمكان تعليقه أو استبداله بزمن يهودي.{footnote}للتوسّع في هذا الموضوع ومواضيع أخرى يبحثها مقالنا هذا أنظروا مقالي "תלאות הזמן המוגזע" في: יהודה שנהב ויוסי יונה (محرران)، גזענות בישראל (القدس 2008): 348-380.{/footnote}

نناقش في الفصل الثالث "المؤقت" الفلسطيني إثر النكبة وبالشكل الذي تغيّر فيه فهم الزمن الفلسطيني عبر السنوات. سنقف في هذا السياق على ثلاث مفاهيم أساسية للزمن تطورت في الوعي الفلسطيني وميزت النضال الفلسطيني وسعي الفلسطينيين إلى العودة للتاريخ: "المؤقتية المؤقتة" و"المؤقتية المتواصلة" و"المؤقتية الطبيعية". ترى هذه الأطر الزمنية الثلاثة في النكبة حدثا مصمما ونقطة قياس أساسية في بناء الهوية الفلسطينية. النكبة كحدث في الزمن تُتيح إنتاج زمن فلسطيني عابر للمكان يطغى على المحلويّة في التجربة الفلسطينية التي أعقبتها. فتشتت المجتمع الفلسطيني في كل اتجاه أفضى إلى سيرورة بناء إطار زمني يقوم على تجربة الصدمة الناجمة عن النكبة وتُتيح جسورا إدراكية بين كل التجمعات الفلسطينية. وقد تطورت هذه السيرورة على مراحل: من تذويت حدث الاقتلاع والتغلّب على الصراع الداخلي الذي نجم عنه، مرورا بفهم الزمن المسدود الذي ولّده اليأس والمنفى المستمران وانتهاء بالسعي لتطوير فهم لزمن قومي والعودة إلى التاريخ بواسطة الصراع على الوعي التاريخي، وتقويض الشرعية والدعم الواسع اللذين تتمتع بهما الرواية اليهودية في البلاد والعالم. وفي النهاية سنمثّل على أن تعليق المؤقت الفلسطيني أفضى إلى تطوير فهم للزمن المؤقت يُشكّل مصدر قوة يتيح تجاوز حدود  الزمن الحديث إلى أطر زمنية مفتوحة توفّر نوعا جديدا من خطاب المصالحة والتصالح. ونقف في التلخيص، عند العلاقة بين قصة كنفاني وبين تطور "المؤقت" كـ"طبيعي" وكإمكانية زمنية تصالحية تتيح لليهود والفلسطينيين تجاوز حدود الإلغاء المتبادل.


الإطار المعرفي

أهمية الزمن في المجتمع الإنساني تأتي، بالأساس، من وعي الإنسان إلى نهايته. وقد جعل هذا الوعي تنظيم الوقت واستثماره للمناورة مركّبا هاما في أنماط السلوك الإنساني. فالناس يتطلعون إلى ملء وقتهم بالمضامين كجزء من محاولتهم السيطرة عليه، واستثماره حتى النهاية، وإطالته والقفز فوق خاتمته. وقد مرت مسألة السيطرة على الوقت أطوارا عدة على مرّ التاريخ. فالعصر الحديث، على اعتباره الإنسان مخلوقا متنورا وحرا، أنشأ منظومات لتنظيم الوقت الشخصي والجمعي بهدف كسب الحد الأقصى من الوجود المؤقت للإنسان. وبالمقابل، حسّن منظومات إجراءاته التي تسلب الإنسان سيطرته على الوقت.{footnote}Michel Foucault, Discipline and Punish: The Birth of the Prison (New York 1977){/footnote} يشير أفيتار زروبابل إلى أنه حتى يكون الوقت مشتركا كواقع اجتماعي داخل الذات عليه أن يمرّ عملية مَعيَرة. ووفق ادعائه، فإن أحد الخطوات الاجتماعية الأساسية التي تتجسّد في تنظيم الوقت بشكل يُتيح للإنسان أن يتعامل مع نفسه بشكل داخل ـ ذاتي. ويشير زروبابل، كذلك إلى أن تنظيم الوقت هو عامل أساسي في بناء الهوية الجمعية المميزة ويمثّل على ذلك بواسطة الروزنامات السنوية ذات الإشارات المختلفة التي تعتمدها مجموعات اجتماعية/قومية مختلفة.{footnote}Eviatar Zerubavel, ”Easter and Passover: On Calendars and group Identity,” ASR 47 (1982): 285 [284-89]{/footnote} من هنا فإن الزمن لا يتوزع من تلقائه وإن توزيعه بأيدي الإنسان مشتقّ من توجّه قِيَمي ينظّم الواقع الطبيعي والاجتماعي بشكل هرمي وقيمي وسياسي. وبما أن السيطرة على الوقت والقدرة على توزيعه هما مورد هام ذو أبعاد وجودية بعيدة المدى، فإن الفكر الإنساني يُكثر من الاهتمام بالعلاقة بين الحركة والسرعة والمؤقت والزمن.

يصنّف بنو الإنسان الوقت بأشكال مختلفة ويمنحونه معاني مختلفة. وهذا التصنيف إنما يعكس الفهم الذاتي ومنظومة العلاقة بين الذات المصنّفة وبين بيئته الطبيعية والإنسانية. تلعب أنماط تقسيم الوقت وتصنيفه، وبالأساس من خلال أنسنته وتحويله إلى تاريخ أو إلى وعي، دورا مهما في منظومة العلاقة بين الأفراد وبين مجموعات اجتماعية مختلفة. وهكذا، فيما يؤكّد علماء الطبيعة على الزمن الطبيعي والكوني، فإن العلوم الإنسانية والاجتماعية معنية بأهمية تنظيم الوقت كجزء من الوعي الإنساني ومبنى النفس الإنسانية.

تصنيف ثقافات الوقت بمصطلحات مادية أو رمزية أو قِيَمية هو نمط مقبول في العلوم الاجتماعية والإنسانية. التوزيعات المختلفة للوقت والتي يقترحها الأنتربولوجيون ـ زمن شعائري وزمن يومي، زمن تاريخي وزمن أسطوري، زمن تطوّري متواصل وزمن دائري ثابت ـ تجسّد أهمية بناء الوقت في الوعي الإنساني، بالأساس عندما تفعل ذلك جهات خارجية للمجتمع أو للثقافة موضوع البحث، وتفرضه عليهما كأنها جزء من طبيعتهما الإنسانية. ويسمي روبرت يانغ ذلك "أساطير بيضاء"، وهي تسمية تؤكّد بُعدها المُعرْقن.{footnote}Robert Young, White Mythologies: Writing History and the West (London 1990){/footnote}

يلعب الوقت دورا مهما جدا في الأيديولوجيات الحداثية. ويشكّل الزمن موردا هاما وأساسيا في توازن القوى الإنسانية في خطاب الحداثة، من الناحيتين الثقافية والتاريخية. يُموْضِع الفكر الحداثي ذاته في قمة الهرمية التاريخية بالتأكيد على سيطرة الإنسان الحديث على وقته. الذات الحداثية، الرأسمالية والاشتراكية تُعتبر أكثر تنوّرا ووعيا لنفسها من ذات ما قبل الحداثة. إن منظومات إنتاج الذات الحداثية وبناء وعيها التاريخي بواسطة أدوات إجتماعية متنوعة ـ تعليم، جَتمعة، ضبط وتدجين وما إلى ذلك ـ تُعتبر أكثر سموّا من منظومات الماضي وبالأساس بسبب ميلها إلى سلب الأبعاد الغيبية في تجربة الذات ألـ "ما قبل حداثية". إن تطوير أدوات قياس الزمن ومأسستها كجزء من التجربة الاجتماعية الحداثية ـ وهو ما يتمّ التعبير عنه بالدقة والتنسيق والتحكّم وفي الجداول الزمنية المعروفة مسبقا ـ تثبت بوضوح العلاقة الهجاسية المتجذّرة مع الزمن لدى الذات الواعية لذاتها.

لقد تحوّل هذا الهجاس إلى جزء هام من تدجين الذات الحداثية في إطار علاقات القوة في المجتمع، ومن التمايز الثقافي وبناء العلاقات البين ـ ثقافية. إن روح الحداثة تتجسّد في الذات التي تستطيع أن "تسمو" فوق الطبيعة وفوق المكان والثقافة، وتستطيع توقّع تطوّر التجربة الإنسانية كأنها شريط متحرك ثلاثي الأبعاد. من هنا فإن فلاسفة الحداثة يعرّفون الثقافة الغربية على أنها تقضي بفهم الزمان على أنه تصاعدي دينامي ونامٍ. فهم يفهمون الزمن على أنه أزلي وبني الإنسان على أنهم ينشطون ويتقدمون فيه من حقبة بدائية إلى حقبة متنورة أكثر من خلال تعميق سيطرة الإنسانية على الواقع الوضعي. وفي هذا السياق فإن السرعة والتقدم هما قيمتان مركزيتان تؤكّدان أهمية التكنولوجيا ومجتمع الغرب ألـ"تكنوبولين"{footnote}نيل بوستمان، تكنوبولين: خضوع الثقافة للتكنولوجيا (تل أبيب 2003).{/footnote} ـ تحولت إلى مثال ينبغي على الثقافات الأخرى أن تتطلع إليه وأن "غاية الإنسان الأبيض" أن يشجعها على ذلك. أحد خطوط التعريف البارزة لهذه السيرورة هي بَرَقْرَطَة دول العالم الثالث باعتبارها مؤشرا على التحديث والترشيد.

إن بناء الوقت بمقتضى معايير الحداثة والنجاعة يكرّس سيطرة تلك الدول التي وضعت المعايير السائدة لحساب الوقت. تُقاس الثقافات والشعوب تبعا للمسافة بينها وبين فهم الزمن الحداثي الغربي، وعليه فإن ثقافات غير غربية تقع في أدنى السلّم القيمي. ووفق هذا التصنيف تطورت منظومة لتبرير فرض الأنماط الاستعمارية على الشعوب "المتخلّفة"، وغايتها المساعدة وهندستها وفق المعايير "السليمة" بواسطة جعل الزمن الغربي زمنا عالميا.

أعطى هايدجر معنى خاصا لمصطلحات الزمن والسيطرة عليها كتعبير للقوة السياسية الفاعلة في تنظيم الواقع الاجتماعي. التعاطي مع التجربة المعبّر عنها بواسطة نقيضها، توضّح الوجود الإنساني كوجود زمني وتخلق علاقة حلول جوهرية بين مجرّد الوجود الإنساني المُدرِك لذاته، وبين وعي الزمن. الوجود في الزمن هو ليس فقط جزءا من التجربة الإنسانية، وإنما هو جوهر هذه التجربة. ينسف هايدجر الفرضيات الميتافيزيقية الناتجة عن فهم الزمن المثالي والتي ميّزت الرومانسية الألمانية، ويلفت انتباهنا إلى معنى وجود الإنسان في إطار الزمن. إن السيطرة على الزمن مصدر هائل القوة بالنسبة للفرد، تؤثّر على قدرته على تحقيق ذاته كفرد. ومن هنا فإن عدم السيطرة على الزمن يمنع تنظيمه ويُعطّل شعور ووعي الكينونة عند الإنسان والمجتمع. إنسان أو مجتمع سلبت منهما قدرتهما على السيطرة على الوقت يفقدان بُعدا هاما جدا في صيرورة الوعي الذاتي ككيان مستقلّ عن أفراد أو مجتمعات أخرى. إن السيطرة على الوقت تعكس الشعور بالوجود في العالم، وفقدانها أو نقيضها يكشفان محوريتها لتطور المعنى والوعي الذاتيين.

ولتوضيح هذه المسألة، يقابل هايدجر مبنيين متناقضين للزمن ـ الزمن الفارغ والزمن المعلّق. هذان المبنيان للوقت هما نقيض السيطرة على الوقت، ويفهم الإنسان عبرهما معنى الوجود في الزمن. يتعرّف بنو البشر على مركزية الوقت في تجربتهم عندما يصطدمون بحدث يوقف سريان الوقت. الاستئناف على الوجود في الوقت يمسّ بمعنى الوجود ككيان إنساني. من هنا، فإن السيطرة على الزمن، فيما تعنيه، هي سيرورة تعرّف بني البشر على ذواتهم ككيانات منفصلة عن كيانات أخرى في المستوى الشخصي والجمعي. الخروج من الوقت يقوّض الكينونة، ومن هنا ـ أحد المصطلحات الوجودية لبني البشر. وتصبح هذه السيرورة خطيرة بشكل خاص عندما يتمّ فقدان السيطرة بالإكراه وليس بالاختيار. إن تفريغ الوقت أو تعليقه بالإكراه هما عمليا فعل غير إنساني يؤكّد معنى تجربة الوجود مثلما السعي للعودة إلى الزمن أو التاريخ هو ميزة هامة للإحساس بكينونة الإنسان أو الجماعة.

أهمية السيطرة على الزمن والصراع من أجلها تبرز في منظومات العلاقات الكولونيالية. يوضح ذلك جورجيو أغمبين{footnote}Giorgio Agamben, The State of Exception (Chicago 2005); idem., The Open: Man and Animal (Stanford 2004){/footnote} عندما يُسقط مصطلحات الزمن لدى هايدجر على العالم السياسي ويربطها بمصطلحات السيادة والطوارئ لدى كارل شميط{footnote}كارل شميط، "تيؤولغيا بوليطيت" (تل أبيب 2005).{/footnote}، ويتمحور في مصطلحات الزمن وتعليقه في "حالة الطوارئ"، باعتبار ذلك من خصائص الوضع الكولونيالي. فهو يبحث في المدلولات السياسية والدستورية والوجودية لتعليق التسوية القانونية في حالات الطوارئ وفي المجال غير الطبيعي الذي ينشأ عن ذلك، حيث إن السلطة ذات السيادة التي تُعلّق القانون تواصل وجودها ضمن إطار القانون وتعمل باسمه دون أن تمتثل له! الحقول المختلفة التي يتمّ فيها إعمال القانون بأيدي السلطة صاحبة السيادة تتجسّد في أطر زمنية مختلفة بالنسبة للحاكم والمحكوم. إذ يتحول الوقت إلى مورد تحكّم وتعبير عن القوة السياسية ذات السيادة. ويستعمل أغمبين الفرق الذي يُقيمه هايدجر بين بني البشر وبين الحيوانات على أساس انفتاحهم للعالم وقدرة الأوائل على مَوْضَعة أنفسهم قياسا بالعالم من حيث الزمن. تعليق أو تفريغ الزمن يُصادر من المسيطَر عليهم أحد ميزاتهم الإنسانية وينتهك معنى حياتهم في أعين المسيطرين عليهم، وأحيانا في أعينهم هم. بمعنى، أنه عندما يختفي الفارق بين الإنسان كمخلوق تاريخي وبين الحيوان كمخلوق غير تاريخي يلجأ البعض إلى التعامل مع بني البشر كأنهم حيوانات.

في هذا السياق، وفي النضال ضد الاحتلال الكولونيالي، يُطالب الخاضع للاحتلال لنفسه بالعودة إلى التاريخ بواسطة تطوير وبناء وعي للزمن يفرض تحديا على السيادة التاريخية للمحتل والتي تسعى إلى فرض سيادة تاريخية أخرى. الإصرار على الكينونة/التواجد في الوقت مثل السعي للعودة إلى التاريخ يتحول إلى أحد أعمدة النضال ضد الكولونيالية والاحتلال. تقليد المحتلّ إثر انعكاس وعيه التاريخي والزمني يتحول إلى جزء هام من بناء الهوية القومية لدى الخاضع للاحتلال. إن النضال ضد تفريغ الوقت أو تعليقه يتحوّل إلى استراتيجية هامة في النضال ضد القواعد الأساس لحالة الطوارئ. تقويض أساسات حالات الطوارئ ووضع بدائل لمجرّد تعريفاتها، تتحول إلى أدوات أساسية ليس في مقاومته فحسب بل كذلك في بناء مواطنية الذات ككينونة ثابته لا تنبع من أوامر الطوارئ. السعي السري الذي يبادر إليه  الخاضعون للاحتلال يتحول إلى استحضار الذات في مجالات وجود لا تستطيع السلطة ذات السيادة أن تتسرب إليها وتفرض السيطرة عليها. إن بناء الوعي العابر للمكان بواسطة اتخاذ إجراءات سرية ضد المحتلّ الكولونيالي تتحول إلى أداة أساسية في عودة الخاضع للاحتلال  إلى التاريخ. كذلك العمل الإبداعي هو أداة سرية هدفه قلب معادلة السيطرة على الزمن رأسا على عقب. بل أن استغلال الزمن المُعلّق يتحوّل إلى نوع من السعي السري الذي يسلب المحتلّ سيطرته على الوقت وقدرته على إفراغ زمن الخاضع للاحتلال من المعنى.

إن العلاقة الجدلية السالبة بين زمن المحتل وزمن الخاضع للاحتلال يخلق تكوينات مركبّة تتجاوز حدود الثنائية المزدوجة التي يسعى الطرفان إلى ترسيخها كجزء من تبرير كينونتيهما المنفصلتين. فالصراع على التاريخ والزمن يتحوّل إلى حلبة أساسية لتجارب تراجيدية، حلبة تجسّد هشاشة الكينونة الإنسانية ويُسر إخضاعها لمنظومات قوة تستعبدها وتفرغها من مضمونها. صحيح أن فائض القوة المادي لدى المحتلّ يشكّل أداة سيطرة أساسية في بناء المؤقت كواقع غير مستقرّ للخاضع للاحتلال، لكنه ينطوي، أيضا، على طاقة سرية قوية يستطيع الخاضع للاحتلال أن يستعملها.

في السياق الفلسطيني ـ الإسرائيلي، فإن احتجاز أشخاص على الحاجز يشكل تفريغا لوقتهم ويحوّل حياتهم إلى "عديمة القيمة"، ويهدر دمهم لحظة عدم امتثالهم لتعليمات السلطة ذات السيادة. سياسة الحواجز كتعبير عن حجز الوقت وليس فقط كمكان، هو مثال واضح لما كان أغمبين أسماه "أنوميا" أو "مساحة مشاع".{footnote}Agamben, State of Exception: 1; 13{/footnote} سياسة إسرائيل في المناطق الفلسطينية المحتلة تميّز منظومات لعلاقات كولونيالية حيث تتحول حياة المحكومين إلى مشاع ودمهم إلى مهدور. بالمقابل، تخلق سيرورة إفراغ الوقت وتعليقه قلقا وجوديا عميقا لدى الفلسطينيين، ولكن تدفعهم، أيضا، إلى المقاومة المعبّر عنها بأشكال واسعة من الظواهر، بدءا من العمل السريّ في الزمن وانتهاءً بإلغاء حدود الزمن والسعي الحثيث للتغلب على مَعْيَرَته. بمعنى أن في الانتظار المفروض عليهم، وهو كفاف يومهم، تكمن، أيضا، طاقة ثورية.

الخيال الزمني الصهيوني

يُمكن أن نعرّف الصهيونية على أنها سعي جمعي للعودة إلى التاريخ الحديث ووضع معايير زمنية جديدة للوجود اليهودي. وكان لهذا السعي أبعاده الوجودية ليس فقط بالنسبة لليهود الذين قُيّض لهم أن يكونوا حملة الزمن القومي الحديث، بل بالنسبة للفلسطينيين أيضا، الذين كان من المفترض ان يدفعوا الثمن من خلال إقصائهم من التاريخ وتفريغ زمنهم. المَوْضَعة في الزمن والتطلّع إلى تغييره مركّب أساس في الفكر القومي اليهودي. فقد أقام مفكرون صهيونيون صلة واضحة بين الوعي القومي وبين الوجود في الزمن التاريخي.{footnote}ش.ن آيزنشتادت وموشي ليسك (محرران)، الصهيونية والعودة إلى التاريخ: تقييم من جديد (القدس 1999).{/footnote} وقد طوّروا فهما حداثيا للزمن. ومن هنا فهو فهم يختلف عن وجهة النظر اللاهوتية في الكتب المقدسة والموروث اليهوديين.{footnote}Eyal Chowers, “Time in Zionism: The Life and Afterlife of Temporal Revolution,” Political Theory 26:5 (1998): 652-86{/footnote} سعى مفكرون صهيونيون إلى إحداث ثورة في الزمن، من خلال اقتراحهم خيالا متسلسلا يكون الواقع الاجتماعي بموجبه، وخلافا لحتمية اللاهوت اليهودي، مفتوحا لتدخّل إرادي ويُمكن إدارته من خلال مخطط تضعه يد الإنسان. فقد بُني الزمن الصهيوني من جديد كزمن مفتوح، بدل الزمن الذي تحكمه سلطة مقدّسة تعمل من أجل خلاص "شعب إسرائيل". الخطاب القومي الصهيوني اهتم إذن في تحييد التاريخ وفصله عن قوى عليا وعن نهائية حتمية بافتراضه أن التحكّم بالزمن هي بأيدي بني البشر، وينبغي إعادته للشعب اليهودي الذي فقدها في ظروف تاريخية لم تكن تحت سيطرته. فالعودة للتاريخ تحولت إلى أسطورة مركزية في الفكر السياسي الصهيوني وقامت على عدة تشخيصات معرفية وتطبيقات هامة:

1.    الزمن التاريخي والزمن اللا ـ تاريخي

كما في كل خطاب قومي، فإن فهم الزمن الصهيوني هو فهم غائي تكون الصهيونية بموجبه بعث القومية اليهودية في إطار زمن حديث ونامٍ. تستثمر الصهيونية التاريخ التوراتي لتبرير ارتباط الشعب اليهودي بالبلاد وتحولها إلى مركّب أساس في السعي لبناء الذات التاريخية اليهودية وإعادتها إلى التاريخ بواسطة ربطها من جديد إلى وجوده الرسمي في إطار دولة إسرائيل. فالصهيونية تجسّر تقريبا على حوالي ألفي سنة من الغياب اليهودي التام عن "الوطن" وتستحضر العلاقة بين الشعب وبين البلاد بواسطة اقتراح إطار زمني عابر للتاريخ ومتجانس.

إن بناء الزمن الصهيوني بموجب التاريخ التوراتي معناه تأجيل الزمن الفلسطيني أو تفريغه من خلال نزع الخصائص القومية عنه. فالفلسطينيون "غير الحداثيين" غائبون من التاريخ الكوني كما قالت به حركة التنوير اليهودية. التاريخ الفلسطيني لا قيمة له لأنه غير قومي ولا إنساني; وهو لا ـ تاريخي لأنه ليس مشمولا ضمن إطار الزمن الحداثي. من هنا ينتج أن الفلسطينيين هم مجموعة دنيا، أدنى من الشعب المختار، الذي يشكل اختياره بأيدي الله اختيارا أبديا. يمكننا أن نقرأ في كتابات كثيرة لمفكرين صهيونيين تعاملا مُستخِفّا بالفلسطينيين ونفي إنسانيتهم بسبب "غيابهم" عن إطار الزمن الحديث/التاريخي ووجودهم اللا ـ تاريخي والـ"التحت إنساني" غير الحداثي.

تطرح هذه الرؤية مجرّد الوجود المادي للفلسطينيين كحجر عثرة على طريق تحقيق العودة اليهودية إلى التاريخ ويبرر إخراجهم خارج تاريخ هذه البلاد. وبما أن زمانهم فارغ من أي مضمون ولا يُقاس بأدوات الحداثة، فإنهم أصلا موجودون في الطبيعة وليس في التاريخ. إضافة إلى ذلك، وحسب الصهيونية، فإنهم لم يترجموا حضورهم إلى ثقافة ولم يسهموا في تطوير البلاد، لم ينفتحوا للعالم ولم يغيروا الطبيعة كأبناء حضارة حقيقيين، ولذلك فهم غير جديرين بأن يتمّ التعامل معهم كمتساوين مع الآخرين. بما أن فلسطين كانت في عيون الصهيونيين "مهملة وقذرة" وبعيدة عن أن تكون "أرض الحليب والعسل"، فإن الشعب الذي يعيش فيها اعتُبر ضيفا عليها. وهذا التصوير للفلسطينيين "يسمح" بطردهم وقتلهم أو سجنهم.

إلى جانب عَرْقَنة الشعب الفلسطيني، فإن أرض فلسطين تمرّ عملية تحويل عميقة لغرض مَوْضَعتها على محور الزمن الصهيوني وليس كما هي وإنما بما يتفق مع الفانتازيا الصهيونية حول فترة البيت الثاني التي تتحول إلى مصدر أساس لتبرير حق الشعب اليهودي في المكان وتحويل الأرض إلى "وطن". فالزمن الفلسطيني اللا ـ تاريخي الفارغ من المضمون واللا ـ مبدئي لا يُترجم إلى حق على المكان. والفلسطينيون ليس فقط أنهم يُقصون خارج التاريخ وإنما يتم تصويرهم على أنهم بغير تاريخ. كل حقوقهم التي اكتسبوها بحكم المعيشة اليومية في الواقع الحقيقي للبلاد تُلغى أمام تحقيق الزمن اليهودي.


2. الزمن الدينامي والزمن الثابت

في الرواية الصهيونية، الزمن اليهودي هو الدينامي ويتجسّد في تخليص الهوية القومية اليهودية من معارج التاريخ ووضعها ضمن المسار التاريخي الحداثي. والسيادة اليهودية هي التعبير لسعي الشعب اليهودي نحو التحوّل إلى شعب منارة للشعوب مسؤول بشكل كامل عن مصيره. بالمقابل، تبني الرواية الصهيونية الزمن الفلسطيني بمصطلحات ثابتة تتجسّد في البقاء ضمن البدائية كمركّب ثقافي جوهري. يتمّ تصوير الفلسطينيين على أنهم عالقون في الماضي. والتعبير الأفضل عن هذا الموضوع هو الوضع الهيولي كما في رواية التوراة الذي كانت تعيشه البلاد كما يظهر من أقوال مفكرين يهود صهيونيين من بداية القرن العشرين وبعده والذين وصفوها بمصطلحات توراتية.{footnote}أنظروا: أ. شبيد، מולדת וארץ יעודה: ארץ ישראל בהגות של עם ישראל (تل أبيب 1979).{/footnote} ادعاء أساسي مضمر في أقوالهم هو أن الشفاء الوحيد للبلاد، التي أهملها الفلسطينيون، يكمن في إحياء الأمة اليهودية على أرضها.

في مصطلحات الخطاب الحديث، تُفهم الصهيونية كسيرورة نضوج إنسانية. بالمقابل، فإن الفلسطينيين موجودون في طفولة أزلية، الأمر الذي يستدعي تربيتهم وتدجينهم وفق وجهة نظر الشعوب الناضجة. من الواضح وفق هذا الخطاب، إن الزمن الدينامي المنسوب للصهيونية أفضل من الزمن الثابت المنسوب للفلسطينيين. هكذا تتأسس الهرمية القِيَمية بين الشعبين اللذين ينتميان إلى إطارين زمنيين مختلفين. وحسب ذلك من الشرعي إقصاء الفلسطينيين من إطار الزمن ومطالبتهم بأن يُتيحوا للصهيونية أن تتحقق في وطنهم كفعل للخلاص الذاتي. ولهذا فالصهيونية والهجرة اليهودية إلى فلسطين تُصوّران على أنهما مفيدتان، ليس لليهود فحسب بل للفلسطينيين، أيضا، الذين ينعمون بالتقدم اليهودي الذي تأتي به دولة إسرائيل التي تُعتبر إلى الآن واحة التقدّم والإشعاع في الشرق الأوسط. أما الثمن الذي يدفعه الفلسطينيون المتجسّد في اقتلاعهم من وطنهم ومن تاريخهم فيتم تصويره على أنه لا يُذكر مقابل الفوائد التي يحصلون عليها من المشروع الصهيوني. هذه الإدعاءات التي يُمكن أن نسمعها في الخطاب العام الإسرائيلي اليوم، أيضا، متجذّرة عميقا في الوعي الصهيوني منذ أيام تيودور هرتسل الذي يُحسب على مُنشئي خطاب تصدير التقدم للشعوب التي تخلفت عن الركب.{footnote}تيودور هرتسل، ألتنويلند (تل أبيب 1997): 89-99.{/footnote} خروج الفلسطينيين ضد هذه المقولة هو خطأ مزدوج بمصطلحات الصهيونية: فهي معارضة ليس فقط لمبادئ العدل الكوني أو لحاجة اليهود إلى حماية ذاتية في دولتهم ذات السيادة، وإنما معارضة لتحقيق الغاية الأخلاقية لليهودية.

كثير من القادة الصهيونيين قبل العام 1948 وبعده، رفعوا لواء الطبيعية اليهودية، ومحوا الوجود الإنساني للفلسطينيين بواسطة زرعهم في زمن مضى، وإحلال اليهود في الحاضر والمستقبل على الرغم من التأشير على العلاقة العابرة للتاريخ بين الشعب اليهودي ووطنه الموعود. في الكثير من الأدبيات الصهيونية يتم تصوير اليهود كمجموعة أُخرجت من التاريخ قسرا يتجسّد حقها في استحضار نفسها تاريخيا، في تجديد العلاقة الروحانية والمادية بين الشعب ووطنه التاريخي.{footnote}أنظروا: عزمي بشارة، "ذاكرة وتاريخ"، تيؤوريا وبيكورت 4 (1993):23-54.{/footnote} لم يخطر ببال هرتسل ومفكرين وقادة صهيونيين متأخرين أكثر أنه  يُمكن أن يعارض الفلسطينيون الهجرة اليهودية إلى فلسطين.{footnote}يوسف غورني، השאלה הערבית והבעיה היהודית: זרמים מדיניים-אידיאולוגיים בציונות ביחסם אל הישות הערבית בארץ-ישראל בשנים 1882-1948 ( تل أبيب 1985).{/footnote}

تجاهل إمكانية معارضة فلسطينية محتملة للهجرة اليهودية ولسيادة يهودية تشير أكثر من أي شيء إلى محو الإرادة التاريخية الفلسطينية والتنكّر لإمكانية وجودها كوكيل سياسي فلسطيني عقلاني وواع لمصالحه القومية الذاتية. يتم بناء الفلسطينيين ويُصوّرون كمجموعة جمدت في الزمن ويُمكن لمخلص من خارجها فقط أن يخلصها من أنفسها. جمود الزمن يتحول إلى إطار زمني بيولوجي وإلى جزء من النظام الطبيعي للمكان، بحيث إن الفلسطينيين عديمي الإحساس التاريخي الخاص بهم، يستطيع الوكيل اليهودي فقط التعبير عن رؤيتهم التاريخية كونه المزود بأدوات أسطورية لتحريرهم من قيودهم وملاءمتهم لروح العصر. عندما يُبدي الفلسطينيون معارضة للمشروع الصهيوني فإنهم يُتهمون باستقدام كارثة على أنفسهم. يتمّ تصوير "بدائيتهم" كعامل مركزي يمنع منهم أن يروا ما يتم تصويره في الفكر الصهيوني كربح شخصي وجمعي لهم. مثل هذا النسق يعود على نفسه في كل ما يتعلّق بالمقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي منذ العام 1967، بحيث أن إحدى منظومات السيطرة فيه هو المؤقت. وفي هذا السياق فإن أخلاقية السياسة الصهيونية لا يطالها الشك. فهي لا تُفهم على أنها عامل يثير المقاومة وإنما العكس. بل إن الفعل "الحيواني" الفلسطيني يصوّر على أنه يستدعي ردا صهيونيا مناسبا ـ قمع عنيف واقتلاع، سلب وقتل. في ضوء هذه الرؤية، فإن اعتماد الفلسطينيين لـ "التقدمية" الصهيونية وقبول إطار الزمن الصهيوني هو شرط مسبق لمراعاة إنسانيتهم، إذا كان ذلك ممكنا أصلا.

3. زمن متواصل وزمن متقطع

مع انتهاء المعارك في العام 1948، بدأت دولة إسرائيل بتصنيف الفلسطينيين بموجب موقعهم في الزمان والمكان، وتحولت العلاقة بين المكان والزمان إلى مؤشر واضح على الفصل العنصري ـ القومي بين اليهود والفلسطينيين. ويحدد القانون عددا من المعايير للحصول على الجنسية الإسرائيلية: الولادة، السكن، الأحقية وفق قانون القدوم/الهجرة والمواطنة. فبموجب القانون، كل يهودي يستحق المواطنة بصرف النظر عن موقعه في الحيز الجغرافي أو في الزمان ( أي كان في البلاد في وقت من الأوقات أم لا). بالمقابل، فإن الفلسطينيين ملزمون باستيفاء شروط التواجد في المكان والزمان. مكوث الفلسطينيين في مناطق حدّدتها السلطات الإسرائيلية بشكل تعسفي، بعد موعد حُدّد في القانون، سلبهم إمكانية المواطنة. فتحديد الإطار الزمني في القانون أتى للتقليل قدر الإمكان من عدد الفلسطينيين الذين يستحقون المواطنة. فقانون أملاك الغائبين ـ 1950 مثلا يحدّد الإطار الزمني الذي صار نافذا في قانون المواطنة بمرور سنتين. الغائب، بموجبه، هو مَن لم يكن في مناطق تحت السيطرة الإسرائيلية في المدة بين "التاسع والعشرين من تشرين الثاني 1947، وبين اليوم الذي يتمّ فيه نشر الإعلان، بموجب بند 9 (د) لأمر ترتيبات الحكم والقضاء، 1948 2، لأن حالة الطوارئ التي أعلنها مجلس الدولة المؤقت يوم 19 أيار 1948 3 لم يعد قائما".


وضع إطار زمني محدّد بما يتفق مع جدول زمني إسرائيلي دَوْلوِي (من دولة) يعبّر عن تفرقة عنصرية بين اليهود والفلسطينيين. حوّل القانون الزمن إلى خط فاصل بين نوعين من البشر الذين يتحركون في زمن جارٍ مختلف. المجموعة الأولى (اليهود) محررة من قيود الزمان والمكان وتستطيع التنقل بحرية على محور التاريخ بدون أن يمسّ ذلك علاقتها التي لا تنفصم عُراها بالوطن. بالمقابل، فإن المجموعة الأخرى (الفلسطينيون) محدودة بزمن متقطع ومقطّع تفرضه عليه من الخارج الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل. إضافة إلى ذلك، فقد أوجد القانون مجموعات فلسطينية ذات مكانة قانونية متباينة وفق مفتاح الزمن. في المجموعة الأولى، فلسطينيون صاروا مواطني الدولة، "عرب إسرائيليون"، ويبدأ تاريخهم في العام 1948; المجموعة الثانية، تشمل أفرادا حاضرين فعليا لكنهم غائبون قانونيا ـ بمعنى، خاضعون لسلطة دولة إسرائيل في كل ما يتعلّق بالواجبات القانونية، لكنهم غائبون منها في حقوقهم وأملاكهم ـ ألـ "الحاضرون الغائبون"، ووقتهم ليس أكيدا ولا متواصلا ولا مستمرا. وهم عالقون على محور الزمن الإسرائيلي ـ الصهيوني لكنهم يواصلون الجريان في الزمن الطبيعي ـ البيولوجي من خلال تخبط إدراكي ذي إسقاطات نفسية اجتماعية وسياسية في الوقت ذاته. بكلمات أخرى، يتمّ عَرقنة "الحاضرين الغائبين" بواسطة التنسيب الثقافي ـ الذي ينعكس في القانون ـ للزمن المُعلّق، بينما حارس أملاك الغائبين يُبقيهم في هذا الوضع إلى يومنا هذا; المجموعة الثالثة، تضم لاجئين يعيشون خارج إطار الزمن الإسرائيلي بل وخارج إطار الزمن التاريخي، منسيون من تاريخ وطنهم ومنقولون إلى أطر زمنية غير مشتقّة من تاريخهم الذاتي وإنما من فانتازيا صهيونية تسعى إلى توطينهم خارج حدود وطنهم.


مقابل "الواقع" الفلسطيني، فإن الزمن اليهودي مبني كمتجانس ومتواصل. عملية تطبيع الزمن القومي اليهودي تجسّدت في تسلسل تاريخي جديد. والزمن المتسلسل المتواصل يصل اليهود ـ كقومية ذات مكوّنات عرقية محددة ـ بالأرض برابط أزلي، ومن هنا بالحقوق المدنية في الدولة اليهودية. مصطلحات مثل "أبد إسرائيل ـ נצח ישראל" أو "أبد الآبدين" تمثّل فهم الزمن الأزلي المتواصل والمتجانس للنسق الصهيوني. بالمقابل، فالزمن الفلسطيني المتقطع هو عامل أساسي لحرمان الكثير من الفلسطينيين الذين عاشوا ضمن حدود إسرائيل من المواطنة. نظام "تغييب" الفلسطينيين من البُعد الزمني و"استحضارهم" فيه هو أداة سياسية تسعى إلى خدمة إطار الزمن الصهيوني. وعليه، فإن مجموعة "الحاضرين الغائبين" ليست مجموعة قانونية أو مكانية فقط، بل هي أساسا مجموعة زمنية تجسّد العَرْقنة واضحة على أساس الانتماء القومي.

تتمة هذه السياسة معبّر عنها في تعديل قانون المواطنة الذي تمّ التصديق عليه في المحكمة العليا مؤخرا.{footnote}محكمة عدل عليا 03/7052، عدالة وآخرون ضد وزير الداخلية، 14/5/2006.{/footnote} يخلق هذا التعديل فاصلا زمنيا واضحا بين الفلسطينيين وفق مكانتهم المدنية. فإذا كنا شهدنا في الماضي فلسطينيين من المناطق المحتلة يحصلون على مواطنة إسرائيلية تدريجيا فإن قرار المحكمة العليا المذكور قد وضع حدا لذلك. فقد ثبّتت المحكمة موقف الدولة الذي يؤجّل لمّ شمل عائلات فلسطينية إلى وقت غير محدد. ويشكّل هذا التأجيل للمكانة القانونية والقضائية لفلسطينيين وفلسطينيات من الضفة الغربية وقطاع غزة المتزوجين من مواطنين إسرائيليين، تجسيدا واضحا لعَرْقنة زمنية متواصلة تمنع ضحاياها من ممارسة حياة طبيعية. بمصطلحات أغمبين، فإن هذه السياسة تجسّد معنى السيادة السياسية المتمثّلة في قدرتها على إعلان "حالة ـ طوارئ"، على إرجاء النظام القانوني الطبيعي واعتماد نظام قانوني استثنائي وتحويله إلى طبيعي من خلال تمديد سريانه.

4. زمن بطيء وزمن سريع

إحدى تطبيقات القوة القائمة على عامل الزمن، والتي تبني التمييز السياسي بين الزمن السريع والزمن البطيء، هي خلق فواصل ومعابر مادية بين الأسياد وبين المسودين. الفصل القومي بين اليهود والفلسطينيين يعكس، منذ بدء الكولونيالية اليهودية، عملية ترسيم الزمن بواسطة حواجز تخطيطية، مادية وثقافية كخط فاصل بين اليهود والعرب، إثر تسريع جريان الزمن اليهودي وتأجيل الزمن الفلسطيني. السعي إلى معقولية يهودية متمثلة في الفكر والتطبيقات الصهيونية مترجمة إلى تسميات زمنية معبّر عنها بضمان جريان الزمن اليهودي السريع وقطع الزمن الفلسطيني وإبطائه وتعليقه. وقد كان من المطلوب بدايةً الفصل الجغرافي بين اليهود والعرب لغرض الحفاظ على "نقاء العرق" (تهويد الأرض) من جهة، والتأشير على مفاهيم مختلفة للزمن، من جهة ثانية. بعد ذلك، بدأت آلة التخطيط الإسرائيلية بنقل الحيز الجغرافي القومي من إطار الزمن العربي ـ الفلسطيني إلى إطار الزمن اليهودي وخلق هرمية مادية وزمنية بينهما. وكانت الترجمة الأولى لهذه التطبيقات إغلاق قرى عربية بالحواجز لعزلها في جيوب جغرافية اصطناعية، ومنع التنقل الحرّ للسكان منها. وقد تمّ تطبيق سياسة الحواجز بين 1948 و 1966 بحيث أن إسقاطاتها الخطيرة ظاهرة ليس فقط في المستوى المادي وإنما في المستوى الزمني أيضا، على المناطق العربية داخل إسرائيل، ومنذ العام 1967 ـ على المناطق الفلسطينية المحتلة.
   
تحوّلت خطوط ترسيم الحدود الجغرافية بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية وبين المناطق التي كانت تحت السيطرة العربية، في الفترة بين الإعلان عن خطة تقسيم فلسطين في تشرين الثاني 1947 وحتى آخر اتفاق لوقف النار في تموز العام 1949، إلى خطوط الحدّ الزمني التي لها إسقاطاتها القانونية والسياسية الحاسمة. وقد كرّست منظومات التحكّم والمراقبة المادية وغيرها لتعليق جريان الوقت الفلسطيني وتفريغه من مضمونه لتمكين الزمن اليهودي من مواصلة جريانه. وقد أسهم في بناء فوارق الزمن تصاريح العمل الانتقائية التي أتاحت للبعض الانخراط في سوق العمل ومنعت ذلك من آخرين، وحظر التجول الذي منع مجموعات كاملة من التنقل الحرّ في المكان والزمان. كرّست هذه التطبيقات الفوارق بين المجالات اليهودية المفتوحة على الزمن وبين المجالات العربية الجامدة في مكانها وزمانها المُعلّق. كذلك ضمنت سياسات محكمة في مجال البناء والتنظيم هيمنة يهودية في الحيز المادي ومناطق العيش المتواصلة لليهود على جيوب عربية يستطيع اليهود الالتفاف عليها. إن الفصل بين مناطق نفوذ عربية ويهودية إضافة إلى تخطيط وإقامة البُنى التحتية للشوارع السريعة في حدود الدولة قائمة، اليوم كما في السابق، على تقطيع أوصال المناطق العربية وضمان تواصل جغرافي يهودي.

هذا الفهم للزمن المكوّن من طبقات تمّ نسخه إلى المناطق الفلسطينية في صيغته المتشددة بعد العام 1967. فور انتهاء الحرب، فرضت إسرائيل حكما عسكريا على هذه المناطق الذي تجسّد بسلطة زمنية شديدة القبضة. أقيمت حواجز فعلية بين مناطق مختلفة وفُرض حظر التجول الليلي الذي قصّر نهار الفلسطينيين إلى الحدّ الأدنى. وبعد أن طرأ تراخ في هذه السياسة امتدّ سنوات، وبالأساس كجزء من تطبيع حياة المستوطنين اليهود في المناطق المحتلة، تم استئنافها بكامل قوتها في بداية التسعينيات. وقد خدمت الحواجز بنجاح هدفين مركزيين: منع التنقل الحرّ في المناطق المحتلة والفصل الجغرافي والزمني الواضح بين دولة إسرائيل وبين المناطق الفلسطينية بهدف تقليص القوى العاملة الفلسطينية في الاقتصاد الإسرائيلي.

إن نظام الحواجز يكشف، فيما يكشف، عدم الاعتراف بوجود زمن فلسطيني مستقل. والزمن الفلسطيني لا يُقاس بمصطلحات جودة الحياة، وعليه فإن إقامة الحواجز وفرض منع التجول جاءا كجزء من نظام مألوف ومفهوم ضمنا. يتجسّد هذا النظام خاصة في منع التجول والإغلاق اللذين تفرضهما إسرائيل على المناطق في الأعياد والمناسبات اليهودية. تؤكّد هذه السياسة أن استمرار جريان الوقت اليهودي في حيز الطبيعي مضمون على حساب الزمن الفلسطيني وبدله من خلال تعليقه في الحيز اللا ـ طبيعي. وينبني التناقض بين هذين الفهمين للزمن إذن كمعادلة سائدة في منظومة العلاقات بين الشعبين، معادلة تحوّل إخضاع الفهم الأول للثاني إلى ضرورة وجودية، وعليه، إلى مبرّرة من الناحية الأخلاقية.

إن الفارق الجوهري بين "شعب الأسياد" وبين الشعب المسود مُعبّر عنه كذلك في تنظيم الحيز الزمني. عند الحواجز، حيث يجعل الازدحام والانتظار المتواصل من تجربة العبور فيها لا إنسانية، يتمّ التمييز بين الفلسطينيين واليهود. من هنا فإن الحاجز ليس حيّزا عاما يضمن المساواة وإنما حاجز انتقائي مخصّص لتصنيف سكان مختلفين على أساس انتمائهم القومي ـ العرقي: التصنيف الذي يتمّ في إطار الزمن المتفاوت الذي تفرضه السلطة ذات السيادة يقوم على رسم صورة ذات ملامح خارجية، لون البشرة واللهجة. ويصل الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين إلى ذروته في حالات الطوارئ; في حالات إنجاب الحوامل، وجود مريض أو مصاب ينبغي مروره عبر الحاجز بسرعة قصوى، هنا يتحدّد الوقت بوضوح وفق لون البشرة والمظهر الخارجي واللغة. ففي حين أن وقت "شعب الأسياد" يواصل جريانه بحرية فإن التعامل مع الخاضعين للسيطرة المحتجزين والمهانين بفظاظة، لا إنساني. إضافة إلى ذلك، فإن زمن مبعوثي السيادة (الجنود) في الحواجز يُعتبر غالي الثمن، وعليه فإن الوقت المبذول في معالجة أمر العابرين على الحواجز يُعتبر نوعا من "الاهتمام". تنشأ على الحواجز في المناطق المحتلة إذن، حالة مثيرة للسخرية المرّة: فالسلطة ذات السيادة ترى قيمة أخلاقية كبيرة في تخصيص وقتها لمعالجة مصاعب المسودين، مصاعب تنشأ من إيقاف جريان الوقت الذي تفرضه هي بنفسها.

إن سياسة التأخير على الحواجز تعكس تعاملا مزدوجا مع زمن الفلسطينيين. من جهة، يستهترون بزمنهم على أساس الفهم الجازم بأنهم بطيئون بطبيعتهم، وهذا فهم مطابق لوجهة النظر الاستشراقية التي تنسب للشعوب غير الغربية طبيعة ثقافية بطيئة، فلا ترى في تأخير زمنهم إهدارا لمورد وجودي هام. من جهة ثانية، يعطون أهمية لزمنهم هم، لكنهم يستعملونه لتأخير تطور المجتمع والاقتصاد ولفرض عقوبات سياسية جمعية. تتعايش هاتان الإمكانيتان جنبا إلى جنب. وإذا ما ترجمنا الزمن الفلسطيني المُرجأ أو المفرّغ عند حواجز الجيش والشرطة الإسرائيليين إلى ساعات عمل، سيتضح لنا أنها كان يُمكن أن تُعيل آلاف، إذ لم يكن عشرات آلاف العائلات، التي تعيش في ظروف مهينة ولا إنسانية. ولكن، كما ذُكر، فإن الزمن المشوّه للمسودين لا قيمة له، مقابل الزمن الكولونيالي الثمين. وكل محاولة للمسودين لتأخير جريان الزمن الكولونيالي يشكل تبريرا لمزيد من تعليق وتفريغ زمنهم هم.

تم تقسيم المناطق المحتلة في الضفة الغربية إلى حيزين منفصلين للمعيشة استنادا إلى قومية السكان. المجالات اليهودية، المستوطنات، المرتبطة بمراكز المدن الإسرائيلية بشوارع سريعة يحقّ لليهود فقط التنقل عبرها. على هذا المستوى، فإن الزمن جارٍ وتخطيط سير الحياة ممكن والاتصالات قائمة. بالمقابل، هناك البلدات الفلسطينية المعزولة في جيوب ذات شبكة شوارع خاصة بها مقطّعة بالحواجز والموانع، هدفها منع الجريان الحرّ والتنقّل، ومن هنا ـ الزمن. هذان الحيزين متجاوران جغرافيا، لكن من الناحية الثقافية والتخطيطية، فإن الحديث هو عن وجود مزدوج لعالم يُقيم "معنى" لذاته و"انعدام المعنى" لغيره. الأول هو ذو وعي وأهمية ذاتية متطورة، الأمر المترجم إلى تنظيم ونظام اجتماعيين ديناميين ومتوقعين مسبقا، بينما يُعتبر الآخر عديم الوعي لذاته، الأمر المترجم إلى فوضى وعدم وضوح راسخين. السيطرة التامة للجمهور اليهودي على جريان الوقت مقابل فقدان السيطرة على جريان الوقت في الحيز الفلسطيني يخلقان عدم الوضوح الذي يفرّق بين الوضع "الطبيعي" وبين حالة الطوارئ. في حالات الطوارئ يتحوّل عدم الوضوح إلى الوضع "الطبيعي"، فتضعضع الثقة بالنفس، وتتوقف القدرة على التخطيط، تنقطع الاتصالات ويتأجل الزمن دون سابق إنذار أو نهاية معلومة مسبقا. عدم الوضوح لا يأتي من الانتظار فحسب، وإنما من عدم القدرة على توقّع مدّته. فالفلسطينيون المنتظرون على الحاجز يحوّلون إلى مخلوقات يُعلّق جريان زمنها وتُسلب منها خاصيتها كذوات. وتصير حياتهم خاضعة تماما لمناورات ونزعات غير خاضعة لسيطرتهم. على الحاجز، الذي يعبّر عن حالة طوارئ، يتمّ الإعلان عن الوقت نفسه كخارج عن القاعدة. "بدل ذلك" ـ يقول عادي أوفير ـ "يُمكن إقامة الفارق في حالة الطوارئ بين الصديق والعدو على أساس الفارق بين مَن أُهدر دمه وأُدخلت حياته في حدود إهدار الدم هذا، وبين مَن تقَيّم حياته نسبة للقانون"{footnote}عادي أوفير، "بين تقديس الحياة وإهدارها: بدل مقدّمة لهومو ساكر"، في "טכנולוגיה של צדק" (تل أبيب 2003)، 358.{/footnote}. تعليق الوقت على الحواجز يُفضي إذن، إلى مصادرة قيمة الوقت لدى المَسودين، ومن هنا نفي قيمة حياتهم وتحوّل حياتهم في نهاية المطاف إلى حياة مُستباحة.

تصير حياة الفلسطينيين، بعد تجريدها من حماية القانون، مستباحة لكل تدخّل وفقا لقرار جندي إسرائيلي في الميدان يشكل الحاجز بالنسبة له موقعا حربيا. يتجلّى الوجود الفلسطيني هناك بكامل ثقل نهايته، بكونه عرضة للانتهاك اللانهائي وفي الموت الذي يتحرك في داخله. إقامة الحاجز ـ فعل إخراج عن القاعدة يستحضر السيادة بموجب القانون رغم تعليقه ـ يُتيح لنا أن نحدّد أي حالات هي استثناء يُسمح بها مصادرة حياة الفلسطيني دون حسيب أو رقيب.

يخضع قسم من الحواجز في المناطق المحتلة في السنوات الأخيرة لعملية تطوير ويتمّ تحويلها إلى "معابر" كما تسمى بلغة الاحتلال. المعابر التي تشبه نقاط العبور الدولية الواقعة على الحدود بين دول مجاورة، تعزز خطاب مؤقتية الاحتلال بذريعة الرغبة الإسرائيلية في الوصول إلى فصل حقيقي بين إسرائيل وفلسطين. بسبب من الاحتكاك الفعلي المباشر بين الفلسطينيين والجنود على الحاجز العادي، تُقام في المعابر مجالات واقية تفصل بين الجنود والفلسطينيين. كذلك فإن المعابر مجهّزة بوسائل ضبط ألكترونية متطورة: إذ يضطر الفلسطينيون إلى المرور في أنفاق بينما الجنود يراقبونهم من غرف زجاجية مكيّفة. إن استبدال الحواجز بمعابر تخلق انطباعا بإلغاء حالة الطوارئ من خلال جعل شروط العبور "إنسانية" وتتسم بمزيد من المراعاة. فهي تبدو مواقع تخضع لقوانين عادية. إلا إن الأمر بشأن "طبيعية" ظاهرية، إذ أن المعابر تكرّس "مؤقتية" الاحتلال وكشف خصوصية حياة الفلسطينيين، بالأساس لأنها موقع حرب نظيفة، كما هو متبع في حروب ما بعد الحداثة، التي يحصل القتل فيها من بعيد وبدون تأنيب ضمير.

خضعت الحواجز في السابق لنقد ومراقبة منظمات حقوق الإنسان على اختلافها، في حين أن المعابر، المعزولة أكثر، بعيدة عن العيون المراقبة لهذه المنظمات. إن الذي يحصل في المعابر غير بيّن، وعليه فإن الوضع هو بمثابة حالة طوارئ تحت ستار الطبيعي. إضافة إلى ذلك فإن تأمل المعابر من قريب يكشف تعميق الفوارق في تجربة الوقت بين الجنود وبين الفلسطينيين المارين هناك. فالفلسطينيون مضطرون لإلغاء جزء هام من وقتهم في الانتظار لفتح المعابر بأيدي الجنود ويواصلون الخوض في تفريغ وقتهم وتعليقه. فمواعيد فتح المعابر تتحدد وفق قرار إسرائيلي مستقلّ دون مراعاة وقت وشروط انتظاره الفلسطينيين، بحيث أنه مع غياب الاحتكاك الإنساني يُحرمون حتى من إمكانية أن يُعلموا الجنود بتجربة المعاناة التي يعيشونها. إن موقع الجنود في الغرفة الزجاجية يوفّر عليهم المعضلات الأخلاقية التي قد تنجم عن التماس المباشر مع الفلسطينيين. بمصطلحات ظاهراتية فإن الأمر بشأن فصل التجربة المشتركة إلى تجربتين منفصلتين. صحيح إن التبرير الظاهراتي الذي يوفّره النظام الكولونيالي لهذا الفصل هو أمني، لكن تحتجب وراء ذلك ميكانيكية المراقبة كأداة لإسكات ضمير الجنود وتقليل الضغط النفسي الذي يتعرضون له كنتيجة لوجودهم في مكان لا إنساني بهذا القدر، كالحاجز. بل إن الانفصال عن تجربة الوقت بالذات يشدّد من السيطرة على الفلسطينيين. فالفارق بين شروط انتظار الفلسطينيين ـ في مكان ضيق تحت قبة السماء رهينة لحالة الطقس يعانون من الاكتظاظ والازدحام الشديدين ـ وبين شروط "عمل" الجنود يغرّب الأخيرين عن معنى زمن المرجأين، وتبعا لذلك، عن قيمة حياتهم.

Continue Reading Part 2

 
בניית אתרים אפה מולטימדיה